أموال الحزب… أين سيادة الدولة؟

جوزيف بوهيا
حين يدفع حزب الله تعويضات للمتضررين، فإنه يستثمر المال في إعادة بناء شرعيته السياسية بعد الحرب. يعيد تقديم نفسه بوصفه الجهة القادرة على تأمين ما تعجز الدولة عن توفيره، ويحوّل حاجة الناس إلى ترميم منازلهم واستعادة حياتهم إلى وسيلة لتثبيت موقعه بينهم. لذلك، فإن مصدر هذه الأموال وطريقة دخولها وتوزيعها مسائل تتجاوز المحاسبة المالية إلى صلب الصراع على السلطة: من يملك القدرة على تمويل مجتمع خارج مؤسسات الدولة، يحتفظ بأداة أساسية لإدامة استقلاله عنها.
خطورة التعويضات في هذا السياق أن الحزب يستطيع استخدامها لفصل نتائج قراراته العسكرية عن كلفتها السياسية. فبدل أن تفتح الخسائر نقاشًا حول حقه في تقرير الحرب، يصبح النقاش حول قدرته على الدفع. ينتقل من موقع الجهة المطالبة بتفسير ما حصل إلى موقع الجهة التي ينتظر المتضررون مساعدتها. وهكذا يمنحه الإنفاق فرصة لاستعادة النفوذ الذي أضعفته الحرب، ما يجعل الرقابة على التمويل جزءًا من استعادة الدولة، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعد معالجة السلاح.
تبدأ مساءلة التعويضات من المنظومة المالية التي تمنح الحزب القدرة على جمع الأموال وتحريكها وإنفاقها. وفي ملف القرض الحسن، اتخذت الدولة بالفعل إجراءً محددًا: أصدر مصرف لبنان، في 14 تموز 2025، التعميم الأساسي رقم 170. وحظر على المصارف والمؤسسات المعنية التعامل المباشر وغير المباشر مع الجمعية، بما يشمل تسهيل التحويلات والخدمات المالية والوصول إلى النظام المصرفي. وحدّد إجراءات بحق المخالفين تصل إلى تعليق الترخيص أو سحبه وتجميد الحسابات والأصول. أصبحت لدى الدولة أداة معلنة؛ ومساءلتها تبدأ من نتائج استخدامها.
ثم أحال وزير العدل عادل نصار ملف القرض الحسن إلى النيابة العامة التمييزية في حزيران 2026 للتحقيق في شبهات تبييض أموال. وفي 21 تموز، نقلت «النهار» عن معطيات قضائية أن الإجراءات لم تكن قد بدأت، انتظارًا لمستندات من مصرف لبنان، وأن النيابة العامة لم تكن قد طلبت هذه المستندات. على الجهات المعنية أن توضح ما أنجزته منذ ذلك التاريخ. فالإحالة بداية مسار، ولا يجوز أن تتحول إلى نهاية للمساءلة، بحيث تكتفي كل مؤسسة بإثبات أنها أحالت الملف إلى مؤسسة أخرى.
والرقابة على اسم «القرض الحسن» وحده لا تكفي. ففي 10 شباط 2026، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على شركة تجارة الذهب «جود». وقال بيانها إن مسؤولين في القرض الحسن أنشأوا الشركة للالتفاف على العقوبات، وإن الجمعية تشرف على أعمالها، وإن غالبية فروعها تقع داخل فروع القرض الحسن أو قربها. وسمّى سامر حسن فواز مشرفًا عليها، ووصفها بأنها مرخّصة من الحكومة اللبنانية وتحوّل احتياطيات ذهب حزب الله إلى أموال قابلة للاستخدام. أمام السلطات، إذن، اسم شركة وأشخاص ونشاط محدد وصلة معلنة بمؤسسة يتناولها تعميمها.
تضع هذه المعطيات الدولة أمام اختبار يتجاوز إصدار القرارات: تتبّع النشاط ومن يديره ويستفيد منه، مهما تبدّلت الأسماء والأشكال القانونية. فعزل مؤسسة عن المصارف، مع بقاء قدرتها على العمل عبر النقد والذهب وشركات أخرى، يحمي جانبًا من القطاع المالي ويترك أصل المشكلة قائمًا. وورود اسم شركة مرخّصة لبنانيًا في هذه المعطيات يضع التدقيق في ملكيتها وإدارتها وعملها الفعلي في صلب مسؤولية السلطات اللبنانية.
تخصيص الأموال للتعويضات لا يمنح مصدرها شرعية تلقائية. الإعلان عن المبالغ المدفوعة يثبت القدرة على الإنفاق؛ أما مشروعية الأموال فتُفحص بتحديد الجهة المموّلة، ومسار إدخالها وتحويلها، ومن يتولى توزيعها. وللحزب مصلحة سياسية في الفصل بين الأمرين: يحتفظ لنفسه بمعرفة موارده، ويعرض على الجمهور نتائج إنفاقها. وإذا قبلت الدولة بهذا الفصل، منحته مكاسب الدفع وأعفته عمليًا من المساءلة عن مصدر المال ومساره.
ولا تُحلّ هذه المشكلة بترك المتضررين أسرى قناة حزبية للمساعدة. تستطيع الحكومة سحب هذه الذريعة بسياسة تقوم على مبدأين: وصول الدعم مباشرة إلى مستحقّيه عبر قنوات خاضعة للرقابة، ومنع ربطه بالولاء السياسي. بذلك تصبح إعادة الإعمار حقًا تنظمه الدولة، وتفقد التعويضات وظيفتها كوسيلة لإعادة إنتاج التبعية. أما ترك هذا المجال فارغًا، فيمنح الحزب فرصة لتحديد المستفيدين وشروط المساعدة وتوقيتها، وتعزيز موقعه على حساب مؤسسات الدولة.
وكلفة التأجيل تتراكم. سنة أو سنتان من استمرار التمويل والإنفاق خارج الرقابة تمنحان الحزب وقتًا لتثبيت شبكات توزيع ومصالح واعتماد معيشي أوسع. وعندها تصبح مواجهة المنظومة أشد كلفة، لأن كل إجراء سيصطدم بعدد أكبر من المستفيدين والمتعاملين معها. ما تؤجله الدولة اليوم بوصفه ملفًا ماليًا سيعود إليها غدًا بوصفه أزمة اجتماعية وسياسية أكبر. الانتظار يسمح للمشكلة بالتجذّر، ويضاعف ثمن معالجتها.
وهنا يتصل الملف مباشرة بحصرية السلاح. التنظيم المسلح يحتاج إلى تمويل يحفظ كوادره ومؤسساته وقدرته على التجنيد والتعويض وإعادة التشكّل. حصر السلاح مع ترك الموارد التي تعيد إنتاج قوته خارج سلطة الدولة يجعل الإنجاز قابلًا للانتكاس. استعادة السيادة تقتضي إخضاع القرار العسكري وموارده المالية لسلطة واحدة، وإغلاق المسارات التي تسمح للحزب بتجديد قدرته على العمل مستقلًا عنها.
وخارجيًا، تُقاس جدية الدولة بقدرتها على تطبيق قراراتها ومتابعة المعطيات المحددة بشأن الأنشطة المالية على أرضها. وحين تتوقف الرقابة عند المؤسسات الملتزمة، يصبح تعطيلها امتيازًا للحزب وعبئًا على الاقتصاد اللبناني.
من أين تأتي الأموال، وعبر أي قنوات تدخل؟ ماذا أنجزت الجهات المعنية بعد التعميم والإحالة القضائية؟ ومن يضمن ألّا يستمر النشاط نفسه تحت أسماء أخرى؟
الدولة التي تترك هذه الأسئلة بلا أجوبة تقبل باستقلال مالي يمول استقلالًا سياسيًا وعسكريًا، مهما أعلنت التزامها بالسيادة. لا استثناء لحزب الله في التمويل، كما لا استثناء له في السلاح.

كاتب ومحلّل سياسي لبناني مقيم في الولايات المتحدة. يكتب في القضايا اللبنانية والإقليمية والدولية، وتتركّز اهتماماته على شؤون الدولة والسيادة، والتحولات الجيوسياسية، وصراعات النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط. يعتمد في مقالاته مقاربة تربط الحدث السياسي بسياقه الاستراتيجي، مع اهتمام خاص بموقع لبنان ضمن التحولات الإقليمية والدولي



