الحزب الإيراني في لبنان انتهى عسكريًا… والمواجهة مع إيران

شارل جبّور
الجميع يعلم ويدرك أن “حزب الله” لم يعد له أي دور عسكري، وأن دوره المسلح انتهى، بمعزل عمّا إذا كان يعترف بهذه الحقيقة أم لا. فالمسألة لا تتوقف عند اعتراف الحزب، بل تتعلق بالوقائع التي أثبتت أن هذا الدور انتهى، وأن تمسّكه بسلاحه لم يعد له أي مبرر بالمفهوم العسكري، بل بات مرتبطًا بإرادة إيرانية تريد إبقاء لبنان ورقة تفاوضية في يدها، وورقة ابتزاز تهدد باستخدامها وإشعالها كلما اقتضت مصالحها ذلك، من دون أن تحقق أي تأثير يُذكر في مسار المواجهة.
وما تأثير الصواريخ التي أطلقها نعيم قاسم في 2 آذار الماضي على إسرائيل؟ صفر. أما النتائج على لبنان، فكانت كارثية، سواء على مستوى البلد عمومًا أو البيئة الشيعية خصوصًا، التي دفعت أثمانًا باهظة من تهجير وتدمير للمنازل وتجريف للقرى. ومن لا يزال يؤيد “حزب الله” عليه أن يدرك أن تمسّك الحزب بسلاحه يبقي أبناء بيئته مهجّرين، ومنازلهم مدمّرة، وقراهم مجروفة، فيما يضع من لم يُهجّر منهم بعد أمام خطر التهجير مجددًا، كل ذلك إرضاءً لإيران وتنفيذًا لأجندتها.
ومن الثابت أن الدور العسكري لـ”حزب الله” انتهى، وهذه حقيقة راسخة لا يغيّرها إنكار الحزب لها. وبالتالي، فإن عدم إقراره بهذه النتيجة لن يؤدي إلا إلى استمرار دفع بيئته أثمانًا إضافية، من التهجير والتدمير إلى التهديد بمزيد منهما. وبقدر ما يبادر الحزب إلى إنهاء مشروعه المسلح، يحمي ما تبقى من بيئته. أما كل من يشجعه، من داخل هذه البيئة أو من خارجها، على التمسك بسلاح لم يعد يخدم سوى المشروع الإيراني، فيرتكب جريمة بحق الشيعة في لبنان.
فالدور العسكري للحزب انتهى، ومن لا يريد قراءة الوقائع السياسية والعسكرية يتحمل مسؤولية خياراته ونتائجها. إن وضع “حزب الله” اليوم يشبه، من زاوية انتهاء الدور وفقدان القدرة على الاستمرار، وضع بشار الأسد بعد الثورة السورية. يومها، انتهى الدور الذي كان يؤديه النظام السوري في معادلة الحكم السابقة، وبات النقاش يدور حول البديل الذي يمكن أن يتولى إدارة سوريا، لا حول إمكان إعادة بشار الأسد إلى موقعه السابق. وظل الأسد متمسكًا بوضعه إلى أن جاءت اللحظة التي أُخرج فيها من سوريا.
وقد تحوّل سلاح الحزب من “نعمة” على بيئته، كما كان يصوّر الأمر، إلى “نقمة” غير مسبوقة في تاريخ الشيعة. وما لم تبادر هذه البيئة إلى دعوته لتسليم سلاحه، فإنها وحدها ستدفع الثمن؛ لأنها لن تتمكن من العودة إلى بلداتها ومنازلها، وستبقى مهددة بمزيد من التهجير، فيما أصبح الوقت يعمل ضد المشروع الإيراني.
لكن المشكلة أن هذا الوضع مرشح للاستمرار، في ظل انتظار الاستحقاقات الانتخابية الإسرائيلية والانتخابات النصفية الأميركية، وما قد يرافقها من حسابات سياسية وعسكرية. ولا يمكن استبعاد تجدد الحرب، سواء قبل الانتخابات الإسرائيلية أو بعدها. فقد يسعى بنيامين نتنياهو، قبل الانتخابات، إلى تعزيز موقعه الانتخابي من خلال إظهار أن مشروعه العسكري يحقق المزيد من الإنجازات. وإذا لم ينجح في الانتخابات وخلفه خصم سياسي، فقد يسعى الأخير بدوره إلى التمسك بالمسار العسكري نفسه، لإثبات أنه لا يقل شأنًا عن نتنياهو. وفي الحالتين، قد تكون الساحة اللبنانية إحدى ساحات الاختبار.
وفي كل هذا الوقت، يدفع اللبنانيون، والشيعة منهم خصوصًا، ثمنًا باهظًا. لماذا؟ لأن “حزب الله” يريد إبقاء لبنان ورقة في يد إيران، ولأن طهران لا تزال تتعامل مع البلد من منطلق مصالحها الإقليمية، لا من منطلق مصلحة اللبنانيين. وهنا تقع المسؤولية على الدولة اللبنانية، التي لا يجوز أن تكتفي بتكرار مطالبة الحزب بتسليم سلاحه، وكأن المشكلة محصورة بقرار لبناني مستقل يتخذه الحزب. فالمطلوب هو مواجهة أصل المشكلة، أي القرار الإيراني الذي يُبقي السلاح قائمًا، ويستخدم لبنان ورقة في صراعات المنطقة.
وعلى الدولة أن تقول بالفم الملآن إنها ترفض أن يبقى لبنان ساحة إيرانية أو ورقة تفاوضية في يد طهران. وإذا كانت إيران لا تريد أن تطلب من الحزب تسليم سلاحه وإنهاء وضعه العسكري، فعلى لبنان أن يعيد النظر في علاقته الدبلوماسية بها من خلال إقفال سفارتها، بدلًا من دعوة طهران إلى تعيين سفير جديد، وكأن العلاقات تسير في ظروف طبيعية.
فسلاح “حزب الله” لم يكن يومًا مجرد إشكالية بين اللبنانيين، بل هو جزء من مشروع إيراني يمتد عبر ساحات المنطقة. والمواجهة معه لا يجب أن تبقى محصورة في الداخل اللبناني، ولا أن تُختزل في مطالبة الحزب بتنفيذ الدستور والقرارات اللبنانية. فهذه المطالب، على أهميتها، لا تكفي ما دام القرار الفعلي باستمرار المشروع المسلح مرتبطًا بطهران.
ولم يعد هناك أي جدوى من مناقشة الحزب في ما يُسمّى المقاومة، أو في جدوى استمرار دورها بعد هزيمتها، وما خلّفته من دمار في لبنان وخراب في المنطقة. إنما حان الوقت لتغيير الخطاب الرسمي اللبناني، والانتقال من مخاطبة الحزب وحده إلى مخاطبة إيران مباشرة، ووضعها أمام مسؤولياتها، لأن حزبها في لبنان انتهى عسكريًا، فيما تريد هي الاحتفاظ بسلاحه لتبقي البلد ورقة في يدها.
وعلى الدولة اللبنانية أن تضع إيران أمام خيار واضح: إما أن تطلب من الحزب تسليم سلاحه وإنهاء مشروعه العسكري، وإما أن تتحمل مسؤولية استمرار استخدام لبنان ساحةً لمصالحها، بما يستدعي اتخاذ خطوات لبنانية مباشرة بإقفال سفارتها في لبنان.
إن المطلوب اليوم ليس إدارة أزمة سلاح “حزب الله” داخل لبنان فحسب، بل إنهاء استخدام إيران للبنان أداةً في صراعاتها الإقليمية. فطالما بقيت المواجهة محصورة في مطالبة الحزب بتسليم سلاحه، ستظل الدولة تعالج النتيجة وتتجنب مواجهة السبب. وبالتالي، المطلوب نقل المواجهة من الحزب الإيراني في لبنان إلى إيران نفسها، وتعبئة دول العالم للوقوف إلى جانب لبنان في هذه المواجهة.
لم يعد السؤال كيف نقنع “حزب الله” بالتخلي عن سلاحه، بل كيف نُلزم إيران بالتوقف عن استخدام لبنان ورقةً في يدها. ومن هنا، يجب أن تنتقل المواجهة من الداخل اللبناني إلى أصل القرار في طهران، لأن لبنان لا يستطيع أن يستعيد سيادته ما دام قرار الحرب والسلم مرتبطًا بإيران.



