حين يستفيق “الحزب الإيراني” على الميثاق

شارل جبّور
قالت الكتلة النيابية لـ”الحزب الإيراني” في لبنان إن العداء لإسرائيل هو “حالة ميثاقية” كرّسها اتفاق الطائف، وتراكمت نصوصها القانونية منذ نشأة إسرائيل، معتبرة أن إصرار رئيس الجمهورية جوزاف عون على التمسك بمقولة إنهاء حالة العداء مع إسرائيل يشكّل تجاهلاً للميثاق وللقوانين.
كل هذا الكلام هراء بهراء. فمن ضرب الميثاق الوطني اللبناني بعرض الحائط هو الذي حمل السلاح خلافاً لإرادة الدولة. ومن ضرب الدولة هو الذي أقام دويلة إيرانية داخل الدولة اللبنانية. ومن ضرب السيادة هو الحزب الإيراني الذي صادر قرار الحرب والسلم. ومن ضرب الاستقلال هو الذي استدعى لبنان إلى مشروع إيراني عابر للحدود. ومن ضرب الميثاق هو الذي استجرّ الحروب إلى لبنان، وقرر أن يخوضها من دون العودة إلى اللبنانيين وتنفيذاً لأوامر إيرانية.
فأيّ ميثاق يتحدث عنه “الحزب الإيراني”؟
هل الميثاق هو أن يحمل فريق لبناني-إيراني السلاح فوق الدولة؟
هل الميثاق أن يقرر فريق واحد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي؟
هل الميثاق أن يخرج من لبنان لقتال الشعب السوري دفاعاً عن نظام الأسد؟
هل الميثاق أن يُقتل لبنانيون في 7 أيار وما قبله وما بعده، وأن تُضرب المؤسسات، وتُعطّل الدولة، ويُفرض الأمر الواقع بقوة السلاح؟
الميثاق ليس “Menu” سياسية نختار منه ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا. ولا يجوز لمن ضرب الدستور، وانتهك السيادة، وعطّل الدولة، وفرض معادلة السلاح، وأخضع القرار اللبناني لمصالح إيرانية، أن يستفيق فجأة على “الميثاق” عندما يصبح سلاحه موضع مساءلة، ومشروعه موضع هزيمة، ولبنان كله أمام استحقاق استعادة الدولة.
المفارقة أن هذا الفريق لم يكن يوماً أكثر تمسكاً بالميثاق من تمسّكه بسلاحه. وحين تعارض السلاح مع الدولة، اختار السلاح. وحين تعارض قرار الدولة مع القرار الإيراني، اختار القرار الإيراني. وحين تعارضت مصلحة لبنان مع مصالح المحور الذي ينتمي إليه، دفع لبنان الثمن.
فلا يحق لمن استجرّ الحرب إلى لبنان أن يتحدث عن الميثاق، ولا لمن صادر قرار الدولة أن يدّعي الدفاع عن الدولة، ولا لمن ضرب وحدة اللبنانيين أن يحتكر تعريف الميثاق الوطني.
أما في مسألة إسرائيل، فالمطلوب أيضاً عدم تزوير التاريخ أو خلط الأمور. نعم، هناك قوانين لبنانية قائمة تتعلق بمقاطعة إسرائيل، وفي مقدمتها قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، والذي وضع إطاراً قانونياً للمقاطعة والتعامل مع إسرائيل، استناداً إلى منظومة المقاطعة العربية. لكن وجود قانون للمقاطعة لا يعني أن لبنان محكوم إلى الأبد بحالة عداء مفتوحة، ولا يعني أن أي نقاش حول إنهاء حالة العداء يصبح خروجاً على الميثاق والدستور.
بل العكس تماماً. إذا كانت هناك قوانين تشريعية تكرّس حالة معينة، فإن تعديل هذه القوانين أو إلغاءها، متى توفرت الظروف السياسية والوطنية والدستورية لذلك، هو شأن لبناني يعود إلى المؤسسات الدستورية اللبنانية وحدها وليس إلى إيران وحزبها في لبنان. وهنا تحديداً تكمن أهمية كلام رئيس الجمهورية.
إنهاء حالة العداء مع إسرائيل ليس مشروعاً إيرانياً، ولا مشروعاً إسرائيلياً، ولا تنازلاً عن لبنان. إنهاء حالة العداء هو، في جوهره، استعادة لقرار الدولة اللبنانية في تحديد علاقاتها الخارجية، ووضع حد لتحويل إسرائيل إلى ذريعة دائمة لتعطيل الدولة وإبقاء السلاح خارج سلطتها.
فماذا فعل “الحزب الإيراني” باسم مواجهة إسرائيل؟
هل منع إسرائيل من استهداف لبنان؟
هل حمى لبنان من الحروب؟
هل حافظ على أرض لبنان وأمن اللبنانيين واقتصادهم؟
أم أن النتيجة كانت أن إسرائيل دمّرت بنيته العسكرية، وقتلت قياداته، وضربت قدراته، فيما دفع لبنان الثمن الأكبر من دمائه وناسه وبيوته واقتصاده ومستقبله؟
لقد استخدم “الحزب الإيراني” إسرائيل ذريعة لإلحاق لبنان بإيران. فهو يدرك عجزه عن مواجهة إسرائيل، وأظهرت الوقائع، من حرب تموز 2006 إلى حرب 2023 وما تلاها، أن ادعاءاته عن قدرته على حماية لبنان ومواجهة إسرائيل لم تكن سوى أوهام مكلفة دفع اللبنانيون ثمنها.
كان الهدف من التحجج بإسرائيل إبقاء لبنان ساحة إيرانية، وتبرير السلاح، وإقامة الأنفاق، وإبقاء القرار اللبناني خارج مؤسسات الدولة. والأخطر أن هذا السلاح الذي قيل إنه وُجد لمواجهة إسرائيل انتهى إلى استخدامه في الداخل اللبناني، وفي سوريا، وفي ساحات المنطقة، بينما بقيت الدولة اللبنانية ممنوعة من امتلاك قرار الحرب والسلم.
إن إنهاء حالة العداء مع إسرائيل لا يضرب الميثاق، بل يشكل مدخلاً إلى إعادة إحياء الميثاق. ولا يضرب الدستور، بل يعيد الاعتبار إلى الدستور. ولا يضعف الدولة، بل يعيد القرار إليها، لأن إنهاء العداء مع إسرائيل يقطع الطريق على استخدامها كذريعة لإبقاء السلاح الإيراني الذي يضرب الدستور والميثاق والدولة. ولا يمكن إعادة الاعتبار إلى الدستور والميثاق والدولة إلا بإنهاء حالة الأمر الواقع التي فرضها هذا السلاح على لبنان.
المطلوب اليوم ليس أن يستمر لبنان أسير معادلات الماضي، ولا أن تبقى إسرائيل شماعة تُعلّق عليها كل مشاريع السلاح والوصاية والهيمنة. المطلوب أن يعود لبنان دولةً تقرر وحدها، وتفاوض وحدها، وتحمي حدودها وحدها، وتحدد سياستها الخارجية وحدها، وتحتكر وحدها قرار الحرب والسلم. ما يخالف الميثاق اللبناني هو إبقاء السلاح الإيراني خارج الدولة. إسرائيل دولة خارجية، أما السلاح الإيراني فهو الذي يحول دون قيام الدولة ويبقي لبنان ساحة.
لبنان لا يحتاج إلى ميثاق انتقائي، ولا إلى دستور على قياس السلاح الإيراني، ولا إلى دولة بقرارين: شكلي في لبنان وفعلي في إيران. لبنان يحتاج إلى شيء واحد: أن يعود دولة فعلية. ومن هنا، فإن موقف رئيس الجمهورية من إنهاء حالة العداء مع إسرائيل ليس خروجاً على الميثاق، بل خطوة في اتجاه استعادة الميثاق؛ وليس خروجاً على الدستور، بل خطوة في اتجاه إعادة الاعتبار إليه؛ وليس تنازلاً عن السيادة، بل مدخل لاستعادتها.
فحين ينتهي العداء الذي استُخدم ذريعةً لإبقاء السلاح الإيراني، ينتهي معه آخر مبرر لقيام دولة إيرانية داخل الدولة اللبنانية. وحينها فقط، يصبح للبنانيين دولة طبيعية، مستقرة، سيدة، وقادرة على أن تقرر مصيرها بنفسها. ولا يحق للحزب الإيراني أساساً أن يتحدّث عن الدستور والميثاق قبل أن يسلِّم سلاحه ويحلّ تنظيمه العسكري والأمني.



