فخامة الرئيس: لا تقتطعوا من خطاب الرئيس بري ما يناسبكم

استغربت أوساط سياسية متابعة تنويه رئيس الجمهورية جوزاف عون وإشادته بكلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، ولا سيما لجهة تأكيد بري على اتفاق الطائف والمحافظة على المؤسسة العسكرية والسلم الأهلي.
وقالت الأوساط إن رئيس الجمهورية يفترض أن يدرك أنه لا يجوز اقتطاع جملة من خطاب متكامل، وتحديدًا من خطاب كان في جوهره معترضًا على المسار الذي بادر إليه الرئيس عون وتقوم به الدولة، أي مسار التفاوض الهادف إلى إنهاء الحرب وإعادة تثبيت قرار الدولة.
فإذا كان الرئيس بري يعترض على التفاوض، فمعنى ذلك عمليًا الاعتراض على المسار الذي اختارته الدولة لإنهاء الحرب. وأي خيار آخر غير التفاوض يعني وقف هذا المسار، بما يفتح الباب أمام عودة الحرب.
والأهم أن الرئيس عون يفترض أن يقرأ أيضًا ماذا يعني اتفاق الطائف، وماذا تعني المحافظة على المؤسسة العسكرية والسلم الأهلي، في خطاب الرئيس بري. فبالنسبة إلى بري، الطائف لا يزال يُقرأ من زاوية الإبقاء على سلاح «حزب الله» تحت عنوان ما يسمى المقاومة، وأن السلم الأهلي يعني استمرار معادلة السلاح الإيراني في لبنان، وقد استعاد بري من خلال ثلاثيته معادلة «جيش وشعب ومقاومة» بصيغة مختلفة.
لذلك، فإن المشكلة ليست في العبارات التي يمكن أن نتفق عليها، بل في الموقف السياسي الذي يحكم الخطاب بكامله. فلا يمكن أن نأخذ من خطاب الرئيس بري ما يتوافق مع توجهات الدولة، ونتجاهل ما يقوله صراحة في مواجهة المسار الذي تسلكه الدولة.
والاستغراب الأكبر هو من استمرار هذه المسايرة السياسية التي لم تُوصل لبنان إلى نتيجة واحدة، بل أبقته عالقًا في دائرة المراوحة والمرارة والفوضى. فغياب الوضوح في تسمية المشكلة كما هي، ومحاولة تدوير الزوايا، لا يؤديان إلا إلى إطالة الأزمة.
ما يريده الرئيس بري، في نهاية المطاف، هو أقرب إلى تكرار تجربة عام 2006: خروج إسرائيل، مع إبقاء السلاح الإيراني، ثم إعادة إنتاج الظروف التي تستدعي إسرائيل إلى لبنان مجددًا، وتعطيل قيام دولة فعلية تملك وحدها قرار الحرب والسلم.
وهذا تحديدًا ما يفترض أن يكون واضحًا: لبنان لا يستطيع أن ينهي الحرب فيما يبقى السلاح الذي يستدعي الحرب قائمًا، ولا يستطيع أن يبني دولة فعلية فيما يبقى قرار الحرب خارج الدولة.
المطلوب اليوم ليس المزيد من المسايرة السياسية، بل الوضوح. لأن نصف المواقف لا يبني دولة، واقتطاع الجمل لا يغيّر حقيقة المواقف. وما يقوم به رئيس الجمهورية هو مسار تفاوضي لإنهاء الحرب؛ ومن يعترض على هذا المسار، عليه أن يقول بوضوح ماذا يريد للبنان بعد الحرب، وإلى أي لبنان يريد أن يقود اللبنانيين.



