فخامة الرئيس: سمّوا العلّة باسمها

شارل جبّور
قال رئيس الجمهورية جوزاف عون: “لسنا ضد الأحزاب، لكن عليها أن تلعب دوراً إيجابياً في بناء الدولة لا تدميرها”، مشيراً في السياق نفسه إلى أن “الدولة تحمي الجميع، وأن اللبنانيين تعبوا من الدويلات والمؤسسات الرديفة”.
لا يحتاج كلام فخامة الرئيس إلى كثير من الاجتهاد لمعرفة المقصود. فالدويلة التي قامت على حساب الدولة اللبنانية، وصادرت قرارها، وأقامت مؤسساتها الرديفة، واحتفظت بسلاحها خارج الشرعية، وجرّت لبنان إلى الحروب تنفيذاً لأجندة إيرانية، ليست لغزاً سياسياً يحتاج إلى تفسير. اسمها واضح: “حزب الله”.
ومن هنا، كل الأمل من فخامة الرئيس أن يسمّي الأمور بأسمائها. فالمرض لا يمكن معالجته من خلال الامتناع عن تسميته، والتشخيص الدقيق هو المدخل إلى العلاج، فيما لا يؤدي التعميم إلا إلى إبقاء الأزمة في دائرة المراوحة، وإعطاء الانطباع بأن المشكلة تكمن في “الأحزاب” بصورة عامة، فيما المشكلة الفعلية هي في حزب يملك تنظيماً عسكرياً وأمنياً مستقلاً عن الدولة، ويقيم دولة داخل الدولة، ويربط لبنان بمحور إقليمي لم يجلب إليه سوى الحروب والخراب.
ويدرك فخامة الرئيس أن بعض الأحزاب شكّلت رافعة للجمهورية اللبنانية، ولولا أدوار أحزاب وقوى سياسية في مراحل مختلفة، لكان لبنان إمّا دولة بديلة، وإمّا بقي تحت الاحتلال الأسدي، وإمّا تحوّل بالكامل إلى محافظة إيرانية. لذلك، لا يصح وضع الأحزاب كلها في سلة واحدة، ولا مخاطبتها من موقع من ينصحها، لأن نضال هذه الأحزاب وتمسّكها بالثوابت الوطنية كانا من العوامل التي حالت دون سقوط لبنان بالكامل في مشاريع الوصاية والهيمنة والإلحاق.
المسألة ليست مسألة أحزاب وأفراد، ولا مسألة اختلافات سياسية طبيعية داخل مجتمع تعددي. يمكن للبنانيين أن يختلفوا على الاقتصاد، وشكل الدولة، والسياسات الاجتماعية والمالية، وأولويات الإصلاح، وأن يتنافسوا ديمقراطياً على الخيارات الكبرى. لكن هناك بديهيات لا يجوز أن تكون موضع خلاف: السيادة، وسلاح الدولة، والاستقرار، والازدهار، ولبنان أولاً، والدولة أولاً.
وعلى هذه البديهيات يجب أن يكون معيار التقييم. فمن يعمل من أجل لبنان والدولة، مهما اختلفنا معه، هو شريك في الحياة الوطنية. ومن يربط لبنان بمحور خارجي توسّعي، ويحتفظ بسلاح خارج الدولة، ويقيم مؤسسات أمنية وعسكرية واجتماعية موازية، ويملك قرار الحرب والسلم، هو المشكلة التي ينبغي للدولة أن تعالجها.
وصدقتم، فخامة الرئيس، عندما قلتم إن اللبنانيين تعبوا من الحروب. نعم، اللبنانيون تعبوا من الحروب. تعبوا من الموت والدمار والهجرة والانهيار، ومن أن يدفعوا ثمن قرارات لا يملكونها. وتعبوا من أن يبقى لبنان ساحة لصراعات الآخرين. لكن المواطن اللبناني الذي تعب من الحرب ينتظر من في موقع المسؤولية على رأس الدولة اللبنانية أن يريحه منها. واللبنانيون ينتظرون من دولتهم أن تخرجهم من دائرة الفوضى والحروب والفشل، وأن تستعيد قرارها، وتفرض سيادتها، وتضع خريطة طريق واضحة لإنقاذ لبنان.
هنا تحديداً تكمن مسؤولية العهد. فإذا كانت الدولة تقول إن اللبنانيين تعبوا من الدويلات، فعليها أن تقول أيضاً: من أقام الدويلة؟ وإذا كانت تقول إن اللبنانيين تعبوا من المؤسسات الرديفة، فعليها أن تحدد: من أقام هذه المؤسسات؟ وإذا كانت تقول إن الأحزاب مطالبة بعدم تدمير الدولة، فعليها أن تحدد: أي حزب يمتلك السلاح والتنظيم العسكري والأمني، ويملك القدرة على جرّ الدولة إلى الحرب؟
لأن المشكلة في لبنان ليست “الأحزاب”. المشكلة منذ العام 2005 اسمها “حزب الله”، بسلاحه وتنظيمه العسكري والأمني، وبمشروعه الذي أقام دويلة على حساب الجمهورية اللبنانية وربط قرار لبنان بالمشروع الإيراني. والمشكلة قبل العام 2005 كان اسمها احتلال الأسد للبنان وليس الأحزاب ولا أي شيء آخر.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس خطاباً أكثر عمومية، بل خطاباً أكثر وضوحاً. وليس المطلوب التشهير بأحد، بل ممارسة المسؤولية السياسية والوطنية في تسمية المشكلة كما هي.
لقد اتخذتم، فخامة الرئيس، قرارات مهمة، ونشجعكم على المضي فيها، كما نشجع مسار التفاوض الذي يمكن أن يضع لبنان على طريق الخروج من الحرب والدخول في السلام. لكن إنهاء تعب اللبنانيين لا يكون فقط بمنع الحرب المقبلة، بل بإزالة الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة في كل مرة.
لا يمكن للبنان أن يبني دولة فعلية فيما يبقى السلاح خارج الدولة. ولا يمكن أن يستعيد قراره فيما يبقى طرف اسمه “حزب الله” قادراً على اتخاذ قرار الحرب والسلم نيابة عنه. ولا يمكن أن ينطلق نحو الاستقرار والازدهار فيما تستمر ازدواجية الدولة والدويلة.
فخامة الرئيس،
سمّوا العلّة باسمها. فاللبنانيون تعبوا من الحرب، نعم. لكنهم تعبوا أيضاً من الخوف من تسمية من يجرّهم إليها، ومن التعميم الذي يساوي بين من يحاول بناء الدولة ومن يهدمها، ومن الحلقة المفرغة التي تبدأ بتشخيص ناقص وتنتهي بعلاج ناقص، فتعود الأزمة إلى نقطة الصفر. لقد حان وقت المعايير الواضحة: لبنان أولاً، الدولة أولاً، والسلاح للدولة وحدها. وعندما تصبح هذه القاعدة واضحة، يصبح تحديد المشكلة واضحاً أيضاً. أما الاستمرار في القول إننا “لسنا ضد الأحزاب”، ثم مطالبة الأحزاب ببناء الدولة، من دون تسمية من يهدمها، فلن يوصل لبنان إلى الحل الذي ينتظره اللبنانيون. لأن الدولة لا تُبنى بالتعميم، بل بالقرار. والقرار يبدأ من تسمية المشكلة باسمها.



