كسر الستاتيكو: إذا تعذّر نزع السلاح فليُفتح نقاش تغيير النظام

شارل جبّور يطرح تغيير النظام في لبنان في حال تعذّر نزع السلاح وكسر الستاتيكو
شارل جبّور

سيبقى الوضع في لبنان على ما هو عليه، من دون أي اختراق داخلي فعلي، بانتظار أن يتبلور أحد ثلاثة مسارات: إما أن تحصل المواجهة العسكرية الأميركية ـ الإيرانية، أو أن تستسلم إيران تحت وطأة المواجهة الاقتصادية غير المسبوقة التي تتعرض لها، وإما أن يُكسر الستاتيكو القائم بين إسرائيل و”حزب الله”، فتُعطى تل أبيب مجدداً الضوء الأخضر الأميركي للانقضاض عسكرياً على الحزب، وإما أن تقرر الدولة اللبنانية، أخيراً، إعطاء الحزب الإيراني مهلة زمنية لتسليم سلاحه.

وقد يكون المسار اللبناني هو الأبعد احتمالاً في الوقت الراهن، لأنه ينتظر، في جانب منه، ما ستؤول إليه المواجهة بين واشنطن وطهران، وما ستخلفه حتماً من انعكاسات على الواقع اللبناني، كما ينتظر، في جانب آخر، تطورات المسار الإسرائيلي ـ “الحزب اللهي”، الذي شكّل، في نهاية المطاف، العامل الأساسي وراء معظم التحولات التي شهدها لبنان في المرحلة الأخيرة. وأي تطور عسكري دراماتيكي على هذا المسار سيقود حكماً إلى تطورات إضافية على المستوى اللبناني.

لكن الدولة اللبنانية ليست مجرد متفرج ينتظر ما ستقرره العواصم الأخرى. هي مسؤولة، في نهاية المطاف، أمام شعبها، وعليها أن تتحرك في اتجاه أو في آخر. عندما كان لبنان غارقاً في الحرب عام 1975، وعلى الرغم من أن الحرب اللبنانية كانت ساحة لتداخل الخلافات الداخلية مع المحاور الإقليمية والصراعات الخارجية، لم يتوقف اللبنانيون عن البحث عن حلول وتسويات وصيغ سياسية للخروج من الواقع القائم، وصولاً إلى التهيئة لتطوير النظام السياسي.

وأمام انسداد الأفق الداخلي، يصبح من الضروري اليوم طرح السؤال الذي يتجنبه البعض: ماذا نفعل إذا كانت الدولة غير مستعدة لنزع سلاح الحزب الإيراني بالقوة، تطبيقاً للدستور وقراراتها وموجباتها السيادية؟ وماذا نفعل إذا أصبح الوصول إلى الدولة الفعلية رهن تطورات خارجية، إما على المسار الأميركي ـ الإيراني أو على المسار الإسرائيلي ـ “الحزب اللهي”؟
لا يجوز الاستسلام للستاتيكو. فإذا تعذّر كسر الجمود عبر تطبيق الدولة لدستورها وبسط سلطتها الكاملة على أراضيها، فيجب نقل النقاش السياسي إلى مكان آخر، أي إلى نقاش تغيير النظام، من خلال طرح السؤال التالي: هل يستطيع لبنان أن يستمر كدولة واحدة، فيما جزء صغير منه يريد “المقاومة” ويفرض على بقية اللبنانيين نتائجها، فيما الجزء الأكبر يرفضها ويريد دولة طبيعية لا قرار فيها للسلاح خارج المؤسسات الشرعية؟

إذا كان الخلاف الحقيقي هو بين من يريد “المقاومة” ومن لا يريدها، فلماذا لا يُفتح النقاش حول كيفية إدارة هذا الخلاف بصورة سياسية ودستورية؟ من يريد “المقاومة” فليكن معها، ومن لا يريدها فلينفصل عنها جغرافياً ودستورياً ووطنياً. أما أن يبقى لبنان كله رهينة خيار فئة واحدة، وأن تُستخدم الدولة ومواردها ومساحتها السياسية والاقتصادية لخدمة مشروع تخريبي لا يحظى بإجماع اللبنانيين، فهذا هو جوهر الأزمة التي يجب الخروج منها.

وقد يبدو للبعض أن طرح الفصل أو إعادة النظر في الصيغة السياسية للبنان، في ظل الظروف الراهنة، شديد الحساسية. لكنه يصبح أقل حساسية من استمرار الوضع القائم الذي يجعل البلاد معلّقة بين دولة عاجزة عن فرض سيادتها، وحزب مسلح يملك قرار الحرب والسلم، وإسرائيل التي تواصل عملياتها العسكرية، وإيران التي تستخدم لبنان ضمن مشروعها الإقليمي.

بل إن فتح هذا النقاش يمكن أن يشكل ضغطاً سياسياً واجتماعياً مباشراً على بيئة الحزب الإيراني نفسها. فهذه البيئة ليست بالضرورة كتلة واحدة تريد أن تبقى رهينة مشروع الحزب إلى ما لا نهاية. وهي، مثل سائر اللبنانيين، تريد أن تعيش في دولة مستقرة، وأن تستفيد من إمكانات لبنان واقتصاده ومؤسساته، لا أن تُستخدم موارد الدولة لتمويل مشروع عسكري وإقليمي يجرّ البلاد إلى مزيد من الحروب.
ومن هنا تحديداً تكمن أهمية فتح النقاش. فعدم طرح تغيير النظام، في ظل تعذّر استعادة الدولة لقرارها، يخدم الحزب الإيراني، لأنه يتيح له إبقاء لبنان في حالة انتظار دائمة: لا دولة كاملة، ولا حسم، ولا تسوية، ولا أفق. أما نقل السجال إلى مستوى آخر، فيعني القول بوضوح إن الستاتيكو الحالي ليس قدراً، وإن اللبنانيين أمام خيارات يجب أن يناقشوها بشجاعة، بدل أن يبقوا أسرى انتظار ما تقرره واشنطن أو طهران أو تل أبيب.

وهذا لا يعني أن الحرب ستتوقف بمجرد فتح نقاش تغيير النظام. إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية ما دامت تعتبر أن خطر “حزب الله” قائماً، والحزب نفسه لا يستطيع وقف إسرائيل بالقوة، لأن ميزان القوى العسكري لا يسمح له بذلك. والطريق الواقعي لوقف هذا المسار يبدأ من المكان نفسه الذي يحاول الحزب تجنبه: تسليم سلاحه للدولة اللبنانية.

لذلك، لا تناقض بين المطالبة بحصرية السلاح بيد الدولة وبين فتح نقاش تغيير النظام. بل إن الأمرين يجب أن يسيرا بالتوازي. الدولة مطالبة بتطبيق دستورها وقراراتها واستعادة قرارها السيادي. وإذا كانت غير مستعدة، لأي سبب كان، للذهاب في هذا الاتجاه الآن، فلا يجوز أن يكون البديل هو الانتظار. البديل هو فتح النقاش السياسي حول مستقبل الصيغة اللبنانية نفسها، ووضع كل الخيارات على الطاولة، وممارسة مختلف أشكال الضغط السياسي والشعبي والدستوري للوصول إلى لبنان الذي لا يستطيع أحد فيه أن يفرض على الآخرين خياراً لا يريدونه.

لقد حان الوقت لكسر الستاتيكو. فإما أن تكسر الدولة هذا الجمود باستعادة قرارها وسيادتها، وإما أن يُكسر الجمود من خلال فتح النقاش حول صيغة سياسية جديدة تنهي حالة الانقسام البنيوي حول السلاح ودور لبنان وموقعه. أما البقاء في المنتصف، وانتظار أن تحسم واشنطن أو طهران أو تل أبيب مستقبل لبنان، فليس سياسة دولة، بل استمرار للأزمة نفسها التي أوصلت البلاد إلى ما هي عليه اليوم.