المفتي قبلان يعكس واقع الطائفة الشيعية: أين أصبحت؟

مع كامل الاحترام لشخص المفتي أحمد قبلان، إلا أن مواقفه وخطابه ودوره يطرحون سؤالًا يتجاوز شخصه إلى واقع الطائفة الشيعية في لبنان: أين أصبحت هذه الطائفة التي عرفت، في تاريخها، مرجعيات روحية وسياسية وفكرية كبرى، وتميّزت بوجود نخبة واسعة من المثقفين وأصحاب الفكر والرأي؟
يصعب، عند متابعة مواقف المفتي قبلان، عدم ملاحظة مدى ابتعادها عن صورة المرجعية الدينية التي عرفها لبنان، إذ يتحدث في كثير من الأحيان بلغة أقرب إلى لغة الجيوش الإلكترونية، وبعيدًا عن الهدوء والعمق والتوازن الذي يفترض أن يميز موقعًا دينيًا يفترض به أن يكون جامعًا لا مستفزًا، ومرجعيةً لا طرفًا في الاشتباك السياسي.
المشكلة لا تكمن في أن تكون للمرجعية الدينية مواقف سياسية أو وطنية، فهذا أمر طبيعي ومشروع، وإنما في غياب التمييز بين الدور الديني والدور السياسي، وفي تحوّل المرجعية الروحية إلى ما يشبه منصة إضافية للدفاع عن الحزب الإيراني في لبنان، بل والمزايدة عليه أحيانًا في خطاب التصعيد والاستفزاز ومهاجمة الدولة.
وهذا تحديدًا ما لم نعتد عليه في لبنان. فقد عرف هذا البلد، على اختلاف طوائفه، مرجعيات دينية كان لها حضورها الوطني والفكري، لكنها حافظت على مسافة واضحة بينها وبين الأحزاب والقوى السياسية. وكانت المرجعية الدينية تملك لغة مختلفة، وموقعًا مختلفًا، ووظيفة مختلفة عن المرجعية السياسية. أما أن تتحول المرجعية الروحية إلى طرف سياسي أكثر تشددًا من الطرف السياسي نفسه، فتلك ظاهرة مستجدة لا يمكن فصلها عن التحولات التي طرأت على الحياة الشيعية في لبنان خلال العقود الأخيرة.
والأخطر أن هذا النوع من الخطاب لا يخدم صورة الطائفة الشيعية ولا يعزز موقعها في الحياة الوطنية، بل يسيء إلى رصيدها التاريخي. فلطالما كانت الطائفة الشيعية غنية بالكوادر والنخب والمرجعيات التي امتلكت عمقًا فكريًا وقدرة على مقاربة القضايا من موقع وطني واسع، لا من موقع الاصطفاف الحزبي الضيق.
ومن هنا، فإن ظاهرة المفتي قبلان لا ينبغي النظر إليها بمعزل عن واقع أكبر: واقع سيطرة الحزب الإيراني على القرار السياسي داخل البيئة الشيعية، وتراجع مساحة التعدد والاجتهاد فيها لمصلحة خطاب واحد يربط الدفاع عن الطائفة بالدفاع عن سلاح الحزب وخياراته السياسية والإقليمية.
ولذلك ليس مستغربًا أن تتبدل صورة المرجعية عندما تتبدل البيئة التي تتحرك فيها. فحين تكون الطائفة متعددة الأصوات، تظهر فيها مرجعيات متعددة الاتجاهات، وحين يفرض حزب واحد هيمنته السياسية والعسكرية على بيئتها، تصبح المرجعية الدينية نفسها معرضة للانجراف نحو خطاب الحزب وأولوياته.
لكن هذه ليست مشكلة طائفة، بقدر ما هي مشكلة هيمنة. فالطائفة الشيعية أكبر من حزب، وأعمق من تنظيم، وأوسع من مشروع سياسي، ولها تاريخ طويل من المرجعيات الفكرية والوطنية التي لا يجوز اختزالها في خطاب حزبي أو في موقف من سلاح خارج الدولة.
وعندما تتغير المعادلة اللبنانية، ويعود القرار الشيعي إلى مساحة التعدد الطبيعي التي عرفها لبنان، ستتغير، من دون شك، صورة التمثيل الشيعي، كما ستستعيد المرجعية الروحية موقعها الطبيعي: موقعًا دينيًا وفكريًا وأخلاقيًا، لا موقعًا سياسيًا رديفًا للحزب الإيراني.
فالمفتي قبلان، في نهاية المطاف، لا يعكس نفسه فقط؛ إنه يعكس، من حيث يدري أو لا يدري، واقع المرجعية الروحية اليوم، وواقع التمثيل الطائفي الذي أفرزته هيمنة الحزب الإيراني على الطائفة الشيعية في لبنان.



