لا حوار مع “الحزب الإيراني” قبل تسليم سلاحه

لا حوار مع الحزب الإيراني قبل تسليم سلاحه والدولة اللبنانية

شارل جبّور

حسمت الخارجية الأميركية اللغط الذي ساد في الأسابيع الأخيرة نتيجة مواقف وتصريحات صادرة عن مسؤولين أميركيين بدت ملتبسة أو قابلة لتفسيرات متعددة، فأعادت الأمور إلى نصابها من خلال تصريح نقلته السفارة الأميركية في بيروت عن متحدث باسم الخارجية الأميركية، أكد أن الحكومة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخوّلة التفاوض بشأن مستقبل لبنان نيابةً عن الشعب اللبناني، وأن واشنطن تقف خلف الحكومة واللبنانيين، وتريد للبنان أن يكون بلدًا آمنًا وذا سيادة، وأن تحقيق هذا الهدف يمرّ عبر نزع سلاح “حزب الله”. وعندما يقرر الحزب أنه مستعد لذلك، يمكنه عندها أن يتوجه إلى الدولة اللبنانية ويبلغها استعداده لتسليم سلاحه. أما في الوقت الراهن، فتقول الخارجية الأميركية بوضوح إن الحزب لا يريد حتى التحدث مع الدولة، ولا مع الولايات المتحدة، ولا مع إسرائيل، لأنه ببساطة يتلقى أوامره من إيران.

تكمن أهمية هذا الموقف الأميركي في أنه أعاد تثبيت أربع قواعد أساسية يفترض عدم الالتفاف عليها أو إعادة تفسيرها:

القاعدة الأولى: الولايات المتحدة لا تتفاوض نيابةً عن لبنان. فهي لا تقوم بأي حوار بالوكالة عن لبنان واللبنانيين، ولا تتفاوض على مستقبل لبنان نيابةً عنهم. الجهة الشرعية الوحيدة التي تمثل لبنان هي الدولة اللبنانية، وهي التي تتولى التفاوض، وتحظى في ذلك بدعم أميركي واضح.

القاعدة الثانية: المشكلة ليست في آلية تسليم السلاح أو توقيته، بل في قرار التسليم نفسه. هناك قناعة أميركية تتقاطع مع قناعة لبنانية متنامية بأن “الحزب الإيراني” لا يريد تسليم سلاحه، ولا يعمل في اتجاه تسليمه، بل يتمسك به ويحاول كسب الوقت والإبقاء على وضعه العسكري والأمني. وبالتالي، فإن تصوير المشكلة وكأنها مجرد خلاف على آلية التسليم أو توقيته أو شروطه هو تضليل للواقع. المسألة الأساسية هي أن الحزب لم يتخذ بعد قرار التخلي عن سلاحه، وأن هذا القرار موجود في طهران.

القاعدة الثالثة: لا حوار مع الحزب قبل حسم موقفه من السلاح. وهذه نقطة جوهرية، لأن “الحزب الإيراني” اعتاد منذ عام 2006 على حوارات تؤدي، في كل مرة، إلى منحه صورة الطرف السياسي الشرعي والمتكافئ، فيما يبقى سلاحه خارج النقاش الفعلي.

المطلوب اليوم عدم تكرار هذا النموذج: لا حوار لمجرد الحوار، ولا لقاءات لتثبيت شرعية أمر واقع، ولا نقاشات تستخدم كواجهة سياسية فيما يستمر التنظيم العسكري والأمني قائماً. المدخل إلى أي حوار هو موقف واضح من السلاح: التأكيد على ضرورة نزعه، والاستعداد لتنفيذ ذلك، وحلّ البنية العسكرية والأمنية للحزب.

القاعدة الرابعة: لا مقايضة. فالمعادلة ليست سلاحاً في مقابل نفوذ، ولا سلاحاً في مقابل سلطة، ولا سلاحاً في مقابل ضمانات سياسية. المعادلة معاكسة تماماً: التخلي عن السلاح هو الذي يفتح الباب أمام الجلوس مع الحزب والتعامل معه سياسياً. وهذه مسألة بالغة الأهمية، لأن وضع “الحزب الإيراني” الحالي، بما هو تنظيم مسلح خارج الدولة، ليس وضعًا مقبولًا لبنانيًا أو دوليًا. ولذلك، فإن القبول بالحوار معه ليس حقًا مكتسبًا بمجرد امتلاكه تمثيلًا نيابيًا أو وزاريًا. عندما يقرر التخلي عن سلاحه، وحلّ تنظيمه العسكري والأمني، والالتزام بالدولة والدستور، يصبح بالإمكان التعامل معه كطرف سياسي لبناني. أما قبل ذلك، فلا يجوز تحويل الحوار إلى أداة لمنحه شرعية لسلاحه الإيراني.

من هنا، يجب التوقف عن إرسال الإشارات الخاطئة أو إعطاء الانطباع بأن هناك مسارًا تفاوضيًا مفتوحًا مع الحزب حول صيغة جديدة لسلاحه أو نفوذه. الرسالة الأميركية باتت واضحة: لا نقاش، لا حوار، ولا لقاء قبل أن يعلن “حزب الله” استعداده لتسليم سلاحه. وإذا كان الحزب لا يريد تسليم سلاحه، ويتمسك به، ويرفض الحوار مع الدولة اللبنانية، فإن النتيجة المنطقية لا يمكن أن تكون انتظارًا مفتوحًا أو حوارات عقيمة. الدولة مطالبة بأن تتصرف كدولة، وأن تواصل تنفيذ قراراتها الهادفة إلى حصر السلاح بالقوى الشرعية واستعادة سيادتها الكاملة على أراضيها. فرفض الحزب تسليم سلاحه لا يعني تجميد الدولة لقرارها، بل يعني أن المواجهة مع هذا الواقع مستمرة، وأن مسؤولية الدولة تصبح أكبر في استعادة قرارها وسيطرتها.

وما يعنينا لبنانيًا، في نهاية المطاف، هو قطع الطريق نهائياً على أي حوار شكلي مع هذا الفريق قبل أن يعلن بالفم الملآن أنه أخطأ بحق اللبنانيين، وأنه مستعد لتحمل مسؤولية ما ارتكبه، وأنه مستعد لحلّ تنظيمه العسكري والأمني وتسليم سلاحه، والتخلي عن مفهوم “المقاومة” الذي يعني ربط لبنان بإيران عسكرياً، والالتزام بالدستور والقانون والمؤسسات الشرعية. بعد ذلك فقط يمكن أن يبدأ النقاش السياسي. أما قبل ذلك، فكل حوار ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج المشكلة تحت عنوان جديد.