يا مفتي قبلان… الشرعية يعطيها الدستور لا طهران

خرج المفتي أحمد قبلان ليقرر، من موقعه الديني، من هو الشرعي في لبنان ومن هو غير الشرعي، فأعلن أنه «لا شرعية لأي سلطة» تتعارض مع ما سماه «العقيدة السيادية للبنان»، قبل أن يشرح بنفسه ماذا يقصد بهذه العقيدة: إيران ومحورها والمقاومة.
وهنا يصبح السؤال بسيطًا: منذ متى أصبحت شرعية الدولة اللبنانية تُقاس بمدى توافقها مع المشروع الإيراني؟
ومن أعطى مفتيًا، أو مرجعًا دينيًا أيًا كان، حق إسقاط الشرعية عن سلطة دستورية إذا لم تتبنَّ خياراته السياسية والعسكرية؟
الدستور اللبناني واضح ولا يحتاج إلى تفسير عقائدي. رئيس الجمهورية يسهر على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، والقوات المسلحة تخضع لسلطة مجلس الوزراء، فيما تناط بمجلس الوزراء صلاحية وضع السياسة العامة للدولة والإشراف على أجهزتها. لا توجد في الدستور مادة اسمها «الجيش والمقاومة»، ولا مادة تجعل محورًا إقليميًا شريكًا في القرار السيادي اللبناني.
لكن قبلان ذهب أبعد من ذلك. فهو وضع إيران و«محورها» في موقع «دعاة حق الله»، ووضع أميركا وإسرائيل ومن «يتولاهم» في الجهة المقابلة، ثم نقل هذا الفرز الديني مباشرة إلى السياسة اللبنانية.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن اللبناني الذي يعارض مشروع إيران ليس خارجًا عن الله، واللبناني الذي يريد حصر السلاح بجيشه ليس خائنًا، والسلطة التي تطبق الدستور لا تحتاج إلى شهادة حسن سلوك من مفتي أو حزب أو محور.
أما القول إن «لولا المقاومة لكان لبنان مستعمرة صهيونية»، وإن المقاومة هي «الأب الفعلي للاستقلال الثاني»، فليس حقيقة تاريخية مقدسة تمنع النقاش. لبنان لم يولد مع أي تنظيم مسلح، ولم تصبح سيادته ملكًا لمن حمل السلاح في مرحلة من المراحل.
والأهم أن الدولة ليست مطالبة اليوم بأن تثبت ولاءها لـ«المقاومة». المطلوب هو العكس تمامًا: أن يكون كل سلاح وكل تنظيم وكل قرار حرب وسلم خاضعًا للدولة اللبنانية.
يمكن للمفتي قبلان أن يتبنى إيران كما يشاء سياسيًا، وأن يعتبر محورها المنتصر الأكبر في التاريخ إذا أراد. لكن لا يحق له أن يحوّل هذا الخيار إلى معيار للوطنية والشرعية.
فلبنان ليس ولاية دينية، ولا ملحقًا بمحور، والشرعية فيه يعطيها الدستور، لا طهران.



