استراتيجية المحور الإيراني: السيطرة على الأرض وشراء الوقت

استراتيجية المحور الإيراني بين السيطرة على الأرض وشراء الوقت في لبنان
شارل جبّور

تقوم استراتيجية المحور الإيراني، في جوهرها، على عاملين أساسيين: السيطرة على الأرض وشراء الوقت. فهو يدرك أن السيطرة على الدول لا تتحقق عبر النفوذ السياسي فحسب، بل عبر اختراقها من الداخل، وتجميع مجموعات تدور في فلكه عقائديًا أو ماليًا أو عسكريًا، وصولًا إلى إنشاء بنية ميليشيوية تكون قادرة على الإمساك بالأرض ومصادرة القرار الوطني.

فالقاعدة التي تحكم هذه الاستراتيجية بسيطة: من يسيطر على الأرض يسيطر على القرار. ومن هنا، فإن الحفاظ على السلاح هو وسيلة للحفاظ على السيطرة الميدانية، لأن السلاح الذي يبقى خارج سلطة الدولة يمنح حامله القدرة على فرض أمر واقع، وتعطيل المؤسسات، ومنع الدولة من ممارسة سيادتها كاملة. ولهذا السبب تحديدًا، فإن المدخل الحقيقي لإنهاء سيطرة المحور الإيراني في لبنان لا يبدأ من القرارات ولا من التطمينات ولا من التفاوض حول الأدوار، بل من مسألة أساسية وحاسمة: من يسيطر على الأرض؟
فإذا بقيت الأرض تحت نفوذ الميليشيا الإيرانية، بقي القرار عرضة للمصادرة، وبقيت الدولة عاجزة عن استعادة كامل صلاحياتها. أما عندما تستعيد الدولة سيطرتها على الأرض، فإنها تستعيد معها الجزء الأساسي من قرارها الوطني. والتجربة اللبنانية خلال العقود الماضية تؤكد ذلك بوضوح:

بعد عام 1982، اعتقد كثيرون أن لبنان دخل مرحلة تسمح له بالعودة تدريجيًا إلى حياته الطبيعية، وأن الحرب انتهت أو باتت في طريقها إلى النهاية. لكن المحور الإيراني نجح، من خلال قوته العسكرية وسيطرته على الأرض، في قلب الوقائع وإبقاء لبنان ساحة من ساحات نفوذه.

وبعد اتفاق الطائف، تكررت التجربة. وكان الظن أن لبنان اقترب من تثبيت منطق الدولة، لكن السلاح الممانع تمكّن من قلب المعادلة، مستفيدًا من تردد الدولة ومن استعداد خصوم المحور للاستسلام أمام الأمر الواقع واليأس من إمكانية تغييره.

وفي عام 2005، جاءت لحظة تاريخية مختلفة. خرج الجيش الأسدي من لبنان تحت ضغط دولي وإقليمي وداخلي غير مسبوق، وبرزت موجة سيادية واستقلالية عابرة للطوائف. لكن المحور الإيراني حافظ على سيطرته الفعلية من خلال سلاحه وميليشياته، فخرج النفوذ الأسدي المباشر، وبقي لبنان في الفلك الإيراني.

وبعد حرب تموز 2006، تكررت المعادلة نفسها. تعرّض “حزب الله” لهزيمة عسكرية، ودخل القرار 1701 حيز التنفيذ، وكان من المفترض أن يشكل ذلك مدخلًا لإعادة تثبيت سلطة الدولة. لكن الدولة ترددت، ولم تُستكمل عملية حصر السلاح بالقوى الشرعية، فاستعاد الحزب تدريجيًا قدرته على فرض أمر واقع جديد، وبقيت الميليشيا الإيرانية تسيطر على الأرض اللبنانية.

هذه هي بالضبط الاستراتيجية التي يحاول المحور الإيراني اعتمادها اليوم. فهو لا يحتاج إلى الانتصار عسكريًا كي يحقق هدفه. يكفيه ألا يخسر استراتيجيًا، وأن يحافظ على سلاحه، وعلى قدرته على الإمساك بالأرض، وأن يشتري الوقت إلى أن تتبدل الظروف الإقليمية والدولية.

لقد راهن على أن لحظة 1982 ستتغير، فتغيرت. وراهن على أن لحظة اتفاق الطائف ستتبدل، فتبدلت. وراهن على أن لحظة 14 آذار 2005 ستنتهي، فانتهت. وراهن على أن تداعيات حرب تموز والقرار 1701 ستتراجع، فتراجعت الأولوية الدولية لنزع سلاحه.

واليوم، يراهن مرة جديدة على عامل الوقت. المشكلة أن الدولة اللبنانية تساعده، من حيث تدري أو لا تدري، عندما تكتفي بالقرارات الورقية من دون الانتقال إلى التنفيذ. فرئيس الجمهورية تعهّد في خطاب القسم ببسط سيادة الدولة، والحكومة التزمت في بيانها الوزاري، ثم جاءت قرارات الخامس من آب و2 آذار لتؤكد حصر السلاح والقرار الأمني والعسكري بالدولة. كما فُتح مسار التفاوض مع إسرائيل. لكن السؤال يبقى: أين التنفيذ؟
هذه هي النقطة التي ينبغي التوقف عندها. فالقرارات، مهما كانت تاريخية، تفقد قيمتها إذا لم تتحول إلى إجراءات عملية. وهذا تحديدًا ما يريده المحور الإيراني: أن يخيف الدولة من التنفيذ، وأن يدفعها إلى التردد، وأن يحوّل كل قرار إلى مجرد ورقة، بانتظار أن تتغير الظروف.

فالوقت بالنسبة إليه ليس حياديًا. الوقت سلاح. وهو اليوم يحاول أن يقول للأميركي، ومن خلفه الإسرائيلي: لا تتفاوضوا مع الدولة اللبنانية، تفاوضوا معي. الدولة عاجزة، والدولة مترددة، والدولة لن تستطيع نزع سلاحي. أما أنا فأستطيع أن أقدم لكم الضمانات، وأتعهد بالأمن، وأنا مستعد لأن أضمن ألا يتكرر ما حصل في 8 تشرين الأول 2023.

ومن غير المقبول، ولا يجوز، أن يتكرر في عام 2026 ما حصل بدءًا من عام 1982. وطالما أن استراتيجية هذا المحور مكشوفة بشقّيها: السيطرة على الأرض بهدف السيطرة على القرار، وشراء الوقت إلى حين تبدل الظروف، فإن على الدولة اللبنانية أن تنزع ورقة الأرض من يده، ولا سيما أنه يمر بأضعف لحظة منذ نشأة هذا المحور.

ومن الخطيئة تفويت هذه اللحظة. فالسيطرة على الأرض هي المدخل لإنهاء السيطرة الإيرانية على لبنان، واستعادة الدولة قرارها وسيادتها. إنها لحظة تاريخية بكل معنى الكلمة.
فالمحور الإيراني لم يكن في موقع هذا الضعف الاستراتيجي منذ عقود، ليس في لبنان فقط، بل على المستوى الإقليمي أيضًا. المنطقة تغيّرت، وموازين القوى تبدلت، والظروف التي سمحت للمحور الإيراني بتوسيع نفوذه لم تعد كما كانت. والخارج، مهما بلغ اهتمامه بلبنان، لن يستطيع أن يكون أكثر حرصًا على مصلحة لبنان من الدولة اللبنانية نفسها.

لذلك، فإن التردد في هذه اللحظة ليس مجرد خطأ في إدارة الوقت، بل خطيئة سياسية وتاريخية. فالفرص لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، والفراغ لا يبقى فراغًا. فإذا لم تملأه الدولة، ملأته القوى الأخرى. أمام لبنان اليوم خياران لا ثالث لهما: إما أن تستعيد الدولة سيطرتها على الأرض، فتستعيد معها قرارها وسيادتها، وتفتح الطريق أمام الاستقرار والازدهار. وإما أن يبقى السلاح الإيراني خارج الدولة، فيبقى لبنان ساحة مفتوحة أمام المحور الإيراني، أو عالقًا في مساحة الفوضى والشلل، خصوصًا أن إسرائيل هذه المرة لا تريد العودة إلى قواعد الاشتباك السابقة إذا لم تُعالج أسباب النزاع.

المعادلة واضحة: من يسيطر على الأرض يسيطر على القرار، ومن يشتري الوقت يحافظ على سيطرته. ولهذا، فإن كسر استراتيجية المحور الإيراني يمر عبر ضرب مرتكزيها معًا: استعادة الدولة سيطرتها على الأرض، ومنع المحور من شراء الوقت.

والفرصة ما زالت متاحة، والاهتمام الدولي بلبنان ما زال قائمًا. لكن الفرصة لا تنتظر، والوقت الذي يحاول المحور الإيراني شراءه يجب أن يكون هذه المرة في مصلحة الدولة، لا في مصلحة الميليشيا. على الدولة أن تحسم أمرها الآن، قبل أن يتغير الظرف، وقبل أن تضيع اللحظة، وقبل أن يُعاد إنتاج الماضي من جديد.