أخطأوا بإقصاء “القوات اللبنانية” عام 1990… والخطأ اليوم هو محاولة إشراك “الحزب الإيراني”

إقصاء القوات اللبنانية عام 1990 والمقارنة مع طرح إشراك الحزب الإيراني

شارل جبّور

قال الموفد الرئاسي الأميركي توم براك، قبل أن يعود ويتراجع عن موقفه، إن “أي تسوية جدية في لبنان لا بد أن تشمل حزب الله وإيران”، متسائلًا كيف يمكن أن ينتهي الأمر من دون مشاركتهما. ثم عاد وأوضح أن “حزب الله، المصنّف منظمة إرهابية من الولايات المتحدة الأميركية، لا يمكن إشراكه في أي مفاوضات”.

شكرًا توم براك على التوضيح والتراجع، لكن الأهم هو التوقف عند الموقف الأول، لا بهدف محاكمة صاحبه، بل لاستخلاص العبرة التاريخية والسياسية التي يحتاج إليها لبنان اليوم. فالسؤال الحقيقي ليس: هل يجب إشراك “حزب الله” في التسوية؟
بل: أي قوى يجب أن تكون جزءًا من صناعة لبنان المستقر، وأي قوى يجب أن تكون خارج مشروع بناء الدولة؟
في العام 1990، كان المطلوب أن تُشرك القوى المسيحية السيادية في تنفيذ اتفاق الطائف، الذي شكّل وثيقة الوفاق الوطني بين اللبنانيين، وأن تكون القوى التي قاتلت دفاعًا عن سيادة لبنان واستقلاله جزءًا من مرحلة الانتقال من الحرب إلى السلم، ومن منطق الميليشيات إلى منطق الدولة.

لكن ما حصل كان العكس. أُبعدت القوى المسيحية السيادية، وفي طليعتها “القوات اللبنانية”، رغم أنها كانت متمسكة بتطبيق اتفاق الطائف، وبإنهاء الحرب، وبخروج الجيش الأسدي من لبنان، وبإرساء قواعد نظام ما بعد الحرب على قاعدة الدستور والسيادة والمؤسسات.

وكان إقصاء “القوات اللبنانية” خطأً تاريخيًا فادحًا يتحمل مسؤوليته الداخل والخارج معًا، لأنها كانت قوة استقرار، وقوة دستور، وقوة جمهورية، وقوة دولة، وقوة توازن، وقوة متمسكة بتنفيذ الاتفاق الذي قامت فلسفته أساسًا على التوافق بين المسيحيين والمسلمين.
لماذا أُبعدت؟
لأنها كانت ترفض بقاء الاحتلال الأسدي، وترفض بقاء الميليشيا الإيرانية، وترفض استمرار الحرب بنسخة باردة، وتريد قيام دولة فعلية لا دولة معلّقة القرار والسيادة.
وفي المقابل، أُبقي على عناصر المنظومة التي عطّلت قيام الدولة، وفي طليعتها النظام الأسدي و”الحزب الإيراني”، ولم تدخل “القوات اللبنانية” المعتقل إلا بسبب إصرارها على خروج جيش الأسد، وحلّ الميليشيا الإيرانية ونزع سلاحها.

فإذا كان الخطأ في عام 1990 هو إبعاد قوة سيادية كانت عامل استقرار ودعم للدولة، فإن الخطأ اليوم سيكون إشراك قوة مسلحة هي في جوهرها عامل تعطيل للدولة، وضرب للاستقرار، واعتداء على الدستور والسيادة.

“القوات اللبنانية” كانت تريد تطبيق الدستور وبناء الدولة. أما “حزب الله”، فما زال إلى اليوم يتمسك بسلاحه الإيراني، ويرفض حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة، ويضع نفسه فوق قراراتها، ويواصل تقديم سلاحه تحت مسمى “المقاومة”، وهي أداة إيرانية مسلحة مصنّفة إرهابية دوليًا.

فكيف يمكن إشراك قوة تعتدي على الدولة وما تزال، وترفض منطق الدولة وما تزال، وترفض إنهاء الحرب وما تزال، في أي تفاوض هدفه الوصول إلى دولة فعلية وإنهاء الحرب؟
إن استبعاد “حزب الله” من صناعة التسويات السياسية التي ترسم مستقبل الدولة ليس إقصاءً لفئة لبنانية، ولا استهدافًا لطائفة، ولا خروجًا على الميثاقية. على العكس تمامًا، هو شرط من شروط قيام الدولة والميثاقية والاستقرار وتطبيق الدستور.

الميثاقية لا تعني بأي شكل من الأشكال أن يكون لكل طائفة حزب مسلح يفرض إرادته على الدولة، بل أن تكون تعبيرًا عن التساوي تحت سقف الدولة وبشروط الدستور. والديمقراطية لا تعني أن يتحول السلاح غير الشرعي إلى شريك في القرار الوطني، بل أن يكون السلاح حصرًا في عهدة الدولة، وأن تعمل المؤسسات على ترجمة قراراتها وتوجهاتها. والتسوية لا تعني مكافأة من اعتدى على الدولة، بل تعني معالجة أسباب الاعتداء ووضع حد نهائي لها.

لقد كان “الحزب الإيراني” شريكًا أساسيًا في المنظومة التي أبقت لبنان، طوال عقود، في حالة عدم استقرار وحروب وأزمات، بالتكامل مع النظام الأسدي الذي هيمن على لبنان بعد الطائف. وبعد 36 عامًا، لا يزال هذا الفريق يرفض الاعتراف بأن لبنان دولة ذات سيادة، وأن قرارها يجب أن يكون واحدًا، وسلاحها واحدًا، وحربها وسلمها بيد مؤسساتها الشرعية.

لذلك، فإن المطلوب ليس أن يكون “حزب الله” جزءًا من تصميم لبنان الجديد، بل أن يكون خارج عملية التصميم هذه كليًا، وأن يخضع للمساءلة والمحاسبة على ما ارتُكب بحق الدولة واللبنانيين.

لا يمكن بناء دولة في لبنان في ظل قوة إيرانية مسلحة ترفض الدولة. ولا يمكن بناء جمهورية في ظل حزب يضع نفسه فوق الدستور وينفّذ أجندة إيرانية تخريبية. ولا يمكن تحقيق الاستقرار بإشراك قوة كان سلاحها، منذ تأسيسها وما زال، أحد أبرز أسباب عدم الاستقرار.

وإذا كانت الولايات المتحدة وغيرها من الدول تصنّف “حزب الله” منظمة إرهابية، فمن الطبيعي أن يكون السؤال: كيف يمكن بناء دولة حديثة بالشراكة مع منظمة مصنّفة إرهابية؟ المكان الطبيعي للمنظمات الإرهابية ليس الحكومات ولا طاولات صناعة القرار، بل المساءلة أمام القضاء وتطبيق القانون.

لقد كان الخطأ عام 1990 إقصاء قوة سيادية كـ”القوات اللبنانية”، كانت قادرة على تشكيل رافعة أساسية لمشروع الدولة والجمهورية اللبنانية. أما الخطأ اليوم فسيكون إشراك قوة إيرانية مسلحة تقف في وجه الدولة.

وبين الخطأين، يجب أن تكون العبرة واضحة: لبنان لا يحتاج إلى إشراك من يمنع قيام الدولة، بل إلى تمكين الدولة من إنهاء كل ما يمنع قيامها. هذه هي الطريق إلى الجمهورية. وهذه هي الطريق إلى الاستقرار. وهذه هي الطريق إلى لبنان السيد، الحر، المستقل.