من روما إلى مجلس الأمن… لبنان أمام امتحان القرار الواحد

الموجز الإعلامي اليومي | 24 آب 2026
يدخل قرار الدولة مرحلة أكثر حساسية مع انتقال النقاش من جولات روما إلى ترتيبات ما بعد «اليونيفيل»، فيما وصل قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى إيطاليا لبحث آلية التحقق ودور الجيش في المناطق التجريبية. وفي الوقت نفسه، يضغط الميدان من بوابة علي الطاهر، وتفتح تصريحات المبعوث الأميركي توم براك سجالاً حول مَن يملك فعلياً قرار التفاوض في لبنان. وبين واشنطن وطهران وروما ومجلس الأمن، يصبح التحدي الأساسي أن يبقى لبنان نفسه صاحب القرار، لا مجرد ساحة تتفاوض عليها القوى الأخرى. والملف المرسل مؤرخ في 24 آب 2026.
قرار الدولة بين روما وطهران
تتقاطع مقدمات الأخبار عند وجود مسارين متنافسين.
المسار الرسمي اللبناني يراهن على واشنطن وروما للوصول إلى وقف الاعتداءات، انسحاب إسرائيلي، وانتشار للجيش. وفي المقابل، تربط بعض التغطيات موقف الحزب الإيراني بمسار إسلام آباد وبالعلاقة مع طهران.
وزاد توم براك المشهد تعقيداً عندما تحدث عن أن أصحاب القرار الحقيقيين ليسوا بالضرورة الموجودين على طاولة المفاوضات، وربط القرار بإيران والحزب. وأثارت تصريحاته استياءً رسمياً في بيروت. لكن براك عاد لاحقاً وأكد أن الولايات المتحدة تتفاوض مع الحكومة اللبنانية باعتبارها السلطة الشرعية، وأن واشنطن لا تتفاوض مع الحزب.
هذا التصحيح مهم، لأنه يعيد النقاش إلى مكانه الطبيعي: أي تسوية تخص لبنان يجب أن تمر عبر مؤسساته الدستورية.
هيكل في روما… الجيش يدخل تفاصيل المرحلة المقبلة
بعد زيارة الرئيس جوزاف عون إلى إيطاليا، وصل قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما مع وفد عسكري رفيع المستوى.
ويبحث هيكل آلية التحقق في المناطق التجريبية، دور الجيش بعد الانسحاب الإسرائيلي، وترتيبات المرحلة التي ستلي انتهاء مهمة «اليونيفيل». كما لا تزال مشاركة قوة إيطالية موضع بحث، إذ تطلب روما تحديداً دقيقاً لمهماتها، المنطقة التي ستعمل فيها، وعلاقتها بالمؤسسة العسكرية اللبنانية.
وهذه الأسئلة ليست تقنية فقط.
فالجيش يرفض، وفق مصادر التقرير، إنشاء جهة تتصرف كسلطة فوقه أو تراقب أداءه كأنها مرجعية موازية. كما يرفض تنسيقاً مباشراً مع الجيش الإسرائيلي، ويتمسك بأن يحصل أي تواصل عبر وسيط.
هذا الموقف يحمي قرار الدولة من أن يتحول الانتشار الدولي إلى وصاية جديدة داخل الجنوب.
آلية التحقق… إيطاليا تتقدم ولكن الحسم لم يحصل
تشير عدة تقارير إلى تقدم إيطاليا بين الخيارات المطروحة للمشاركة في آلية التحقق.
لكن لا توجد حتى الآن لجنة نهائية مكتملة. لم تُحسم هوية بقية الدول، ولا قواعد عملها، ولا علاقتها بالجيش، ولا المظلة الدولية التي ستتحرك تحتها.
وهذا يعني أن الحديث عن «قوة بديلة» جاهزة سابق لأوانه.
المطلوب لبنانياً واضح: أي وجود دولي يجب أن يساعد الجيش، لا أن يحل محله. ويجب أن يعمل ضمن القانون اللبناني، لا أن يمتلك صلاحيات مستقلة تمس السيادة.
28 آب… مجلس الأمن يبحث ما بعد اليونيفيل
تتجه الأنظار أيضاً إلى جلسة مجلس الأمن المقررة في 28 آب لبحث ترتيبات المرحلة التي ستلي انتهاء مهمة «اليونيفيل».
وبحسب المواد الواردة، يناقش الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أفكاراً تبقي للأمم المتحدة دوراً في الجنوب. ومن بينها تعزيز فريق مراقبة الهدنة UNTSO، الذي يضم مراقبين عسكريين غير مسلحين، أو توسيع دور مكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة مع إضافة مكون عسكري غير قتالي.
لكن هذه مقترحات قيد البحث وليست قرارات صادرة عن مجلس الأمن.
كما تشير إحدى المواد إلى رفض أميركي لتمديد «اليونيفيل» بصيغتها الحالية. ويبقى هذا الموقف منقولاً ضمن التقرير، فيما لم يُحسم البديل النهائي بعد.
ما بعد اليونيفيل… لا مكان لفراغ أمني
بدأت «اليونيفيل» بالفعل تسليم بعض مراكزها إلى الجيش تمهيداً لنهاية مهمتها.
وأكدت الناطقة باسم القوة أن الخط المرجعي بالنسبة إلى الأمم المتحدة هو الخط الأزرق، وأن أي وجود إسرائيلي شماله يشكل خرقاً للقرار 1701. كما أوضحت أن القوة تعمل على خطط لتسليم ممتلكاتها ومواقعها إلى السلطات اللبنانية.
وهذا يجعل الأشهر المقبلة حاسمة.
إذا انتهت المهمة الدولية قبل تجهيز الجيش وتأمين البديل المناسب، قد ينشأ فراغ خطير. أما إذا جرى الانتقال بصورة منظمة، فيمكن أن تصبح المرحلة فرصة لتعزيز قرار الدولة في الجنوب بدلاً من إضعافه.
علي الطاهر… واشنطن تحاول منع الانفجار
ميدانياً، تبقى علي الطاهر العقدة الأخطر.
تقول معلومات «اللواء» إن واشنطن تعمل بهدوء للتوصل إلى حل دبلوماسي يقوم على سيطرة الجيش على التلال، مع ضمان عدم عودة الجيش الإسرائيلي للمطالبة بها لاحقاً.
وفي المقابل، تشير مصادر أخرى إلى استمرار التحضيرات الإسرائيلية لاحتمال عملية كبيرة، فيما تفضل واشنطن حالياً الضغط الاقتصادي على إيران وتجنب حرب عسكرية أوسع.
لكن لا يوجد حتى الآن إعلان رسمي عن تسوية مكتملة.
وبالتالي، يجب الفصل بين ثلاثة مستويات:
المؤكد هو استمرار الضغط العسكري على المنطقة.
المطروح هو حل يقوم على انتشار الجيش.
أما حصول اتفاق نهائي أو ضمانات ثابتة، فلم يثبت بعد.
لا موعد للجولة الثامنة
رغم كل التحركات، لم يتحدد حتى الآن موعد الجولة الثامنة في روما.
وتربط مصادر التأخير بالرفض الإسرائيلي لتوسيع المناطق التجريبية، وعدم اكتمال آلية التحقق، إضافة إلى انتظار ترتيبات ما بعد «اليونيفيل».
كما تشير مصادر سياسية ووزارية إلى أن الجمود قد يستمر خلال الأسابيع المقبلة، وأن إيطاليا وحدها تبدو حتى الآن الخيار الأكثر تقدماً في آلية التحقق، من دون حسم بقية التفاصيل.
وهنا ينبغي ألا يصبح موعد روما هدفاً بحد ذاته.
الجولة الجديدة تحتاج إلى مضمون جديد: وقف اعتداءات، منطقة تجريبية، انسحاب، أو آلية تنفيذ واضحة.
إسرائيل تربط التسوية بالسلاح
تظهر التغطيات أن إسرائيل ترفض الانتقال إلى تسوية جديدة قبل خطوات تتعلق بالسلاح خارج الدولة، وتستمر في استهداف المواقع التي تعتبرها استراتيجية، وفي مقدمها علي الطاهر.
وهذا يعيد الأزمة إلى الحلقة نفسها.
إسرائيل تقول: السلاح أولاً ثم الانسحاب.
ولبنان يقول: الانسحاب ووقف الاعتداءات ضروريان لكي تستطيع الدولة الانتشار وتنفيذ التزاماتها.
الحل الأكثر واقعية هو التنفيذ المتزامن. لا يمكن منح أي طرف حق تعطيل الخطوة المقابلة إلى أجل غير محدد.
قماطي يفتح باب التواصل مع واشنطن
في تطور سياسي لافت، قال محمود قماطي إن الحزب لم يغلق بصورة نهائية إمكان التواصل المباشر مع الأميركيين، وإن القرار يتوقف على المصلحة والظروف.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية لأنها تأتي بعد انتقادات قاسية للمسار الذي تديره الدولة مع واشنطن.
لكن أي قناة محتملة يجب ألا تتحول إلى مسار تفاوضي موازٍ.
إذا تفاوض كل طرف لبناني منفرداً مع الخارج، يعود لبنان إلى تعدد المرجعيات الذي تحاول الدولة أصلاً إنهاءه.
قرار الدولة يعني أيضاً أن التفاوض الخارجي في القضايا السيادية يتم باسم الجمهورية اللبنانية.
تصريحات براك… من يفاوض باسم لبنان؟
قدمت تصريحات براك واحدة من أكثر النقاط حساسية في تقرير اليوم.
ففي مرحلة أولى، تحدث عن ضرورة وجود الأطراف المؤثرة، بما فيها إيران والحزب، في أي تسوية. واعتبر بعض المسؤولين اللبنانيين ذلك ضربة لمحاولة فصل الملف اللبناني عن المسار الإيراني.
لاحقاً، أكد براك أن واشنطن تتفاوض مع الحكومة اللبنانية بوصفها السلطة الشرعية الوحيدة، وأنها لا تتفاوض مع الحزب.
ويجب اعتماد التصريح الأوضح والأحدث في تقييم الموقف.
فالولايات المتحدة تستطيع التحدث إلى الدول والقوى التي تريدها في ملفات المنطقة. لكن لا يمكن لأي تفاهم يخص الأرض اللبنانية أو الجيش أو الحدود أن يكتسب شرعية داخلية من دون الدولة.
ملف شيباني… يوم حاسم للقرار السيادي
يقترب ملف السفير الإيراني محمد رضا شيباني من محطة قانونية حساسة مع انتهاء تأشيرته، بعدما سبق أن اعتبرته الدولة اللبنانية شخصاً غير مرغوب فيه.
وتشير «النهار» إلى أن طهران طرحت تعيين قائم بالأعمال ضمن تسوية لوضع شيباني، لكن بيروت رفضت ربط تعيين البديل بأي تسوية تسمح ببقائه.
إذا صحت هذه المعلومات، يصبح الملف اختباراً مباشراً لقدرة لبنان على تنفيذ قرار دبلوماسي سبق أن اتخذه.
المسألة لا تتعلق بموقف مؤيد أو معادٍ لإيران. إنها مسألة مؤسسات: الدولة إما تنفذ قرارها، أو تعدله رسمياً.
ولا يجوز أن يتحول القرار السيادي إلى صيغة قابلة للالتفاف الإداري.
الراعي: لا دولتان ولا قراران
جدد البطريرك بشارة الراعي موقفه بأن الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة السيادة والقرار على كامل الأراضي، وأن الجيش والمؤسسات الشرعية هي ضمانة الوحدة والأمن والاستقرار.
كما اعتبر أن استمرار الملفات من دون حل يبقي لبنان في دائرة عدم الاستقرار.
ويتقاطع هذا الموقف مع جوهر الأزمة السياسية الحالية: تعدد مراكز القرار ليس خلافاً حزبياً عادياً، بل مشكلة في بنية الدولة نفسها.
الاقتصاد يدفع ثمن الحرب
قدّم البنك الدولي واحدة من أكثر الصور الاقتصادية تشاؤماً في التقرير.
فهو يتوقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4% خلال 2026، بعد نمو بلغ 4.2% في 2025. ويقدر أن الحرب خفضت مسار النمو المتوقع بنحو 10.4 نقاط مئوية مقارنة بسيناريو عدم تجدد الصراع.
كما يتوقع ارتفاع التضخم إلى 17.5%، مع تأثيرات اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن والنفط على القدرة الشرائية.
والخسارة لا تقتصر على أرقام سنة واحدة.
النزوح، تدمير البنى، تعطل التعليم والرعاية الصحية، وهجرة أصحاب الكفاءات يمكن أن تضرب القدرة الإنتاجية للبلاد سنوات مقبلة.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الأمن والاقتصاد: لبنان لا يستطيع بناء تعافٍ اقتصادي فوق أرض مهددة بالحرب كل بضعة أشهر.
الإصلاحات المصرفية تصبح أكثر إلحاحاً
رغم الصورة السلبية، يشدد البنك الدولي على أن إعادة هيكلة القطاع المصرفي وضبط المالية العامة تبقيان شرطين أساسيين لاستعادة الثقة.
وفي المقابل، حذر من استمرار عدم استدامة الدين العام ومن هشاشة القطاع المصرفي.
وبالتالي، لا يجوز استخدام الحرب ذريعة لتعليق الإصلاح.
كما لا يمكن الحديث عن إصلاح اقتصادي من دون معالجة الودائع والخسائر وإعادة بناء الثقة بين المواطن والمصارف والدولة.
السعودية في باريس… لبنان ضمن بيئة إقليمية متحركة
وصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى باريس في زيارة تأتي وسط تحولات إقليمية متسارعة، فيما تتحرك فرنسا في ملفات لبنان ودعم الجيش والمرحلة المقبلة.
لكن التقرير لا يقدم حتى الآن مضموناً لبنانياً تفصيلياً متفقاً عليه لنتائج المحادثات السعودية–الفرنسية.
لذلك تسجل الزيارة كعنصر مهم في البيئة الإقليمية، لا كقرار جديد خاص بلبنان.
سوريا تعود إلى نافذة التفاوض
إقليمياً أيضاً، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق تتوقع استئناف المحادثات الأمنية مع إسرائيل، داعياً إلى استثمار فرصة التفاوض.
وتتحدث مواد أخرى عن مساعٍ أميركية لاحتواء التوتر الإسرائيلي–السوري.
وهذا مهم للبنان لأن ترتيبات الحدود في سوريا والجنوب اللبناني تتحرك في بيئة أمنية واحدة، رغم اختلاف الملفات القانونية والسياسية.
إيران وباكستان… محاولة منع الانفجار
يزور قائد الجيش الباكستاني عاصم منير طهران في إطار جهود إسلام آباد لخفض التوتر، في وقت تزيد الولايات المتحدة ضغطها الاقتصادي على إيران.
كما وردت تهديدات إيرانية تتعلق بالرد على الدول التي تشارك في الحصار الاقتصادي وبمضيق هرمز.
لكن لا يوجد اتفاق جديد في الملف.
بالنسبة إلى لبنان، تبقى الأولوية منع ربط الجنوب بأي رد إيراني على الضغوط الأميركية.
العفو العام يعود إلى الشارع
استمر الجدل حول قانون العفو، مع توزيع منشورات احتجاجية تنتقد النواب الذين أيدوه، وربطها بحقوق شهداء الجيش.
لكن أي اعتراض على القانون يجب أن يبقى ضمن الأطر السلمية والقانونية، كما أن توصيف النواب أو المستفيدين من القانون بعبارات جنائية لا يحل مكان القضاء.
المعركة الحقيقية ستنتقل إلى التطبيق والطعون والتفسير القضائي للنص، لا إلى حملات التشهير المتبادلة.
حوادث السير… عداد لا يتوقف
خصصت إحدى مقدمات الأخبار مساحة لارتفاع ضحايا حوادث السير، معتبرة أن الأرقام تتزايد رغم أن أسباب المشكلة معروفة.
وهو ملف يستحق ألا يضيع وسط السياسة.
فالطرقات وسلامة المركبات والسرعة والرقابة ليست قضايا ثانوية. حماية حياة المواطن جزء من مسؤولية الدولة نفسها التي تطالب اليوم باستعادة السيادة.
خلاصة المشهد
يوم 24 آب يضع لبنان أمام سؤال أكثر دقة من كل الأيام السابقة:
من يملك قرار لبنان؟
هيكل في روما يناقش كيف يعمل الجيش بعد «اليونيفيل». مجلس الأمن يستعد لمناقشة ما سيأتي بعدها. واشنطن تضغط على ملف السلاح. إيران تختبر قرار بيروت في ملف سفيرها. والحزب يلمح إلى إمكان التواصل مع الأميركيين مباشرة.
وسط كل ذلك، يجب ألا تضيع القاعدة الأساسية.
قرار الدولة لا يعني فقط حصرية السلاح. يعني أيضاً حصرية التفاوض، حصرية العلاقات الرسمية، حصرية إدارة الحدود، وحصرية تقرير الحرب والسلم.
وفي المقابل، الدولة لا تستطيع تثبيت هذه الحصرية إذا بقي الاحتلال قائماً والاعتداءات مستمرة، أو إذا تُرك الجيش بلا إمكانات فيما تتسع مسؤولياته.
المعادلة المطلوبة ليست غامضة:
انسحاب إسرائيلي، جيش قوي، آلية دولية تساعد ولا تراقب الدولة من فوق، وقرار لبناني واحد في بيروت لا في أي عاصمة أخرى.
أما الاقتصاد، فيقدم التحذير الأكثر قسوة: انكماش 6.4% يعني أن الوقت السياسي له ثمن مباشر في حياة الناس.
لبنان لا يملك رفاهية إدارة الأزمة إلى ما لا نهاية. إما أن تتقدم الدولة الآن، أو تستمر الحرب في استنزاف الأرض والاقتصاد والقرار معاً.



