الحروب الإسرائيلية كمدرسة عسكرية

الراهب

إذا كان العالم قد شاهد جيوشًا تتحارب، وميليشيات تتحارب، فإنه يشهد اليوم حروبًا بين الجيوش والميليشيات، كما في لبنان واليمن. وفي هذا النوع من الحروب، ظهر التفوق الإسرائيلي في مواجهة حزب الله بصورة أوضح وأسرع من النتائج التي حققتها السعودية في حربها ضد الحوثيين.

وليس السبب ضعف القدرات السعودية أو نقص تجهيزاتها، بل اختلاف العقلية التي تُدار بها الحرب. فالسعودية خاضت مواجهتها بعقلية الجيش النظامي، ووفق منطق الحرب التقليدية وأخلاقيات الدولة. أما إسرائيل، فقد خاضت حروبها ضد الميليشيات بمنطق أكثر راديكالية، يقوم على تفكيك قدراتها، وضرب بنيتها، والسعي إلى تغيير الوقائع على الأرض، من دون أن تجعل الخطوط الحمر السياسية والأخلاقية المعلنة قيدًا حاسمًا على عملياتها.

لقد تلقت إسرائيل إدانات دولية واسعة وشتائم لا حصر لها، لكن ذلك لم يمنعها من مواصلة عملياتها وتحقيق مكاسب ميدانية. وهنا تكمن المسألة: قد لا يكون السؤال في المستقبل عمّا إذا كان النموذج الإسرائيلي مقبولًا أخلاقيًا، بل عمّا إذا كانت الجيوش الأخرى ستتبناه باعتباره النموذج الأكثر فاعلية في مواجهة الميليشيات.

لكن فهم هذه الظاهرة يقتضي تسمية المسؤولين عن نشوئها وتفاقمها. فالميليشيات المسلحة التي تنازع الدول سيادتها، وتفرض سلطتها بقوة السلاح، وتحوّل المجتمعات إلى ساحات لحروبها، تتحمل مسؤولية مباشرة عن المخاطر التي تفرضها على المدنيين. وتزداد هذه المسؤولية حين تستخدم المناطق السكنية لإخفاء بنيتها العسكرية أو إطلاق عملياتها، أو حين تجعل السكان رهائن لمشروعها السياسي والعسكري.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الدور الإيراني في المنطقة. فقد أنشأت إيران أو دعمت ومولت وسلحت ودرّبت تنظيمات مسلحة، وفي مقدمتها حزب الله والحوثيون، وساعدت على تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع نفوذها على حساب الدول التي تنشط فيها. وبهذا المعنى، لا تقتصر مسؤولية طهران على دعم حلفائها، بل تمتد سياسيًا إلى الإسهام في بناء منظومة إقليمية تجعل السلاح الموازي للدولة أداة للنفوذ والصراع. وهي مسؤولية عن النتائج المتوقعة لهذا النهج.

لقد صنعت هذه الميليشيات، بدعم إيراني، معادلة بالغة الخطورة: دول تواجه تنظيمات مسلحة لا تملك جيوشًا تقليدية، لكنها تمتلك ترسانات صاروخية وشبكات عسكرية وبنية تنظيمية متداخلة مع المجتمعات التي تسيطر عليها. وبذلك تصبح المجتمعات نفسها معرضة لخطر الحرب، سواء بفعل قرارات الميليشيات التي تجرّها إلى المواجهة، أو بفعل العمليات العسكرية التي تستهدف تلك الميليشيات.

إن الميليشيات التي تضع المدنيين في قلب معاركها لا تستطيع التنصل من مسؤوليتها عن تعريضهم للخطر، كما أن الدولة التي ترعاها وتسلحها لا تستطيع الادعاء بأن نتائج هذا النهج لا تعنيها. فالمدنيون الذين يُقتلون أو يُهجّرون أو تُدمّر منازلهم ليسوا مجرد أرقام في حسابات الصراع الإقليمي، بل بشر يدفعون ثمن مشاريع مسلحة لم يختاروا بالضرورة أن يكونوا جزءًا منها.

وإذا انتهت الجيوش إلى الاقتناع بأن مواجهة هذا النوع من التنظيمات تستلزم تدمير بنيتها وبيئتها العملياتية على نطاق واسع، فإن المدنيين سيكونون أول من يدفع ثمن هذا التحول في العقيدة العسكرية. وهنا المفارقة المأساوية: قد تكون الميليشيات، بتجاوزاتها واستخدامها البيئة المدنية، هي التي تهيئ الظروف لانتشار نموذج حربي تصبح فيه المجتمعات التي تعمل وسطها عرضة للدمار الشامل.

إن التحذير هنا ليس دعوة إلى تقليد إسرائيل، بل تنبيه إلى أن ما تفعله قد يصبح مدرسة عسكرية تتعلم منها جيوش أخرى، وأن الإدانة الأخلاقية وحدها قد لا تكون كافية لمنع انتشار هذا النموذج. فحين تتجاوز الميليشيات الخطوط الحمر، وتفرض على الدول حروبًا مفتوحة ومعقدة، قد تجد هذه الدول نفسها مدفوعة إلى تبني أساليب أكثر قسوة، مهما كانت كلفتها الإنسانية.

والمفارقة أن الميليشيات التي تزعم وتدعي حماية المجتمعات قد تكون، مع الدول التي أنشأتها أو سلّحتها ورعتها، من أبرز الأسباب التي تجعل تلك المجتمعات تدفع ثمنًا متزايدًا من دمائها واستقرارها ومستقبلها.