سيادة تنتظر الخارج… وسلم أهلي يدفع ثمنه اللبنانيون

جوزيف بوهيا
في لبنان، أصبح الخوف من الحرب الأهلية حاضراً عند كل امتحان جدي لسيادة الدولة. تدرك السلطة ما قد يجرّه الاقتتال الداخلي من موت ودمار، لكنها جعلت من هذا الخوف قيداً على قراراتها ومبرراً لتأجيل تنفيذها. وفيما تتجنب دفع الكلفة السياسية لفرض سيادتها، يخوض اللبنانيون حرباً يومية على الرزق والصحة والتعليم والاستمرار. وهنا تبرز المفارقة الأخطر: سلطة تخشى على السلم الأهلي من قراراتها، ولا تحسب بالقدر نفسه كلفة الامتناع عنها على حياة المواطنين ومستقبلهم.
يوحي المسار اللبناني بأن السلطة تراهن على تبدّل موازين القوى بفعل الخارج: تفاهم أميركي إيراني يعيد ترتيب النفوذ، أو ضربة إسرائيلية تُضعف حزب الله، فتجد الدولة فرصة لاستعادة قرارها بكلفة داخلية أقل، من دون أن تبادر هي إلى تغيير الواقع. لكن الاستفادة من التحولات الإقليمية لا تعني تحويلها إلى بديل من الإرادة الوطنية. فالسيادة لا تُختزل بنتيجة عسكرية يحققها الآخرون، بل تُقاس بقدرة المؤسسات على ممارستها وحمايتها. وقد يزيل الخارج عائقاً أمامها، لكنه لا يضمن استمراريتها إذا بقيت المؤسسات عاجزة عن تحويل الفرصة إلى سلطة فعلية.
وللسيادة ثمن داخلي: مواجهة الاعتراض السياسي، إنهاء الامتيازات، إخضاع الجميع للقانون، وتحمّل خسارة التحالفات والمواقع عند الضرورة. وهذه كلفة ممارسة الحكم، ولا تعني بالضرورة حرباً أهلية. أما مخاطر التصعيد فتحتاج إلى خطة لإدارتها، لا إلى تحويلها ذريعة لتعليق القرار. فحين يُصوَّر تطبيق القانون كأنه يقود حكماً إلى الاقتتال، يصبح احتمال الفتنة حق اعتراض غير مكتوب على سلطة الدولة، وتتحول مهمة الحكم من إدارة المخاطر إلى تجنّب القرارات التي قد تثير اعتراض القوى النافذة.
لكن التهرب من الثمن الداخلي لا يجعل السيادة مجانية. فالولايات المتحدة تتحرك وفق مصالحها، وإسرائيل وفق حساباتها الأمنية، وإيران وفق مشروعها الإقليمي. وإذا لم يمتلك لبنان مشروعاً وطنياً ينفذه بإرادته، فقد يجد نفسه أمام تسوية تحدد القوى الخارجية أولوياتها وتوقيتها وضماناتها. وكلما تأخرت الدولة في بناء قدرتها، تراجع تأثيرها في الشروط التي تُرسم لمستقبلها. هكذا قد يتحول تجنّب كلفة السيادة داخلياً إلى كلفة أعلى خارجياً: تقلص حرية القرار وهامش التفاوض ضمن ميزان قوى رسمه الآخرون، بدلاً من التفاوض انطلاقاً من إرادة وطنية تملك أدوات التنفيذ.
ومن هنا تبرز مسألة أهلية السلطة للحكم. فالسيادة حق اللبنانيين، وليست مكافأة على استعدادهم للتضحية، لكن من يتولى السلطة مطالب بإثبات قدرته على صونها. وإذا أُضعف حزب الله بفعل خارجي، فإن حصرية السلاح ستظل مرتبطة بقدرة المؤسسات على فرضها ومنع عودة الاستثناءات عند أول تبدّل إقليمي. فالحصول على فرصة سيادية لا يعني امتلاك مقومات المحافظة عليها، والمؤسسات التي لم تبنِ قدرتها على ممارسة صلاحياتها لن تكتسبها تلقائياً بزوال بعض العوائق. فاختبار الأهلية يبدأ قبل اللحظة التي تصبح فيها ممارسة السيادة أقل كلفة.
وقد اتخذت الحكومة في الثاني من آذار قراراً بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله وإلزامه بتسليم سلاحه، مؤكدة حصرية قرار الحرب والسلم. وجاءت قضية شحنة المتفجرات المضبوطة في الثامن من تشرين الأول اختباراً عملياً: أوقفت الأجهزة الأمنية شخصين، ثم أقرّ الحزب في الخامس عشر من الشهر بملكية الشحنة وطالب بإعادتها، فيما استمرت التحقيقات. تكشف الواقعة تحدياً مباشراً لسلطة الدولة، لكنها لا تثبت بعد فشلها في مواجهته. العبرة ببقاء المضبوطات تحت سلطة المؤسسات الشرعية، واستكمال التحقيق والملاحقات، وعدم تحويل الضغط السياسي إلى استثناء من القانون. هنا يتحدد الفارق بين قرار يُنفَّذ وقرار يبقى خاضعاً للتفاوض.
وتضع هذه المواجهة سردية السلم الأهلي أمام اختبار أوسع. فالتهديد بالاضطراب، حين يصبح وسيلة لانتزاع الاستثناءات، يمنح الطرف القادر عليه نفوذاً يتجاوز صلاحياته الدستورية. ومع تكرار المسايرة، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح الحفاظ على التوازنات السياسية أهم من معالجة أسباب هشاشتها. وقد تجد بعض القوى الحاكمة في هذه التوازنات ضمانة لمواقعها، فتختلط مصلحة البقاء في السلطة بضرورات تجنب الصدام. وعندها قد تنتهي إدارة خطر الفتنة إلى تثبيت جدوى التلويح بها، ويصبح الاستقرار مشروطاً بموافقة من يملك القدرة على تهديده.
في هذا المنطق، يُختزل السلم الأهلي بغياب المواجهة المسلحة بين اللبنانيين. لكن السلم العسكري أحد شروط الاستقرار، لا معناه الكامل. فهناك سلم اقتصادي يحمي قدرة الإنسان على العيش من عمله، وسلم اجتماعي يصون التعليم والصحة والكرامة، وسلم سياسي يضمن المساواة أمام القانون، فلا تصبح الحقوق رهينة موازين القوة والولاءات. ويمكن لمجتمع أن يتجنب الحرب الأهلية فيما تتآكل هذه المقومات، فيصبح صمت الجبهات الداخلية غطاء لأزمة تهدد شروط بقائه.
والواقع اللبناني يكشف ضخامة الكلفة. فقد أفادت اليونيسف في أيلول بأن أربعاً من كل خمس أسر تواجه صعوبة في تأمين احتياجاتها الأساسية، وأن 22 في المئة من الأسر المشمولة بتقييمها أفادت بأن أطفالها ناموا جائعين خلال الأسبوعين السابقين. كما توقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 6.4 في المئة خلال 2026، تحت وطأة تجدد الحرب. لا تثبت هذه الأرقام أن تأجيل حسم السلاح مسؤول وحده عن الفقر، أو أن معالجته تكفي لإنهاء الأزمة المصرفية والاقتصادية. لكنها تظهر حدود استقرار لم يمنع تدهور شروط الحياة، ولا الحروب والخسائر والنزوح.
وتتضح الصلة بين السيادة والاقتصاد في أثر الخلل السياسي على الحياة اليومية. فبقاء قرار الحرب خارج المؤسسات يحدّ من الاستقرار اللازم للاستثمار والإنتاج. وخضوع القانون لموازين النفوذ يُضعف الثقة، فيما تُعيق أولوية التسويات على المحاسبة حسن إدارة الموارد. وتتفاعل هذه الاختلالات مع الفساد والأزمة المصرفية والاعتداءات الإسرائيلية، فتضيق فرص التعافي. بهذا يصبح غياب القرار السيادي عاملاً إضافياً في الاستنزاف، من دون أن يكون تفسيره الوحيد. فاستعادة القرار شرط مهم للاستقرار، لكنها ليست بديلاً عن الإصلاح المالي والمؤسساتي.
وتتجلى المفارقة الأعمق في اختلاف الزمن بين الحاكم والمواطن. فالسلطة تستطيع تأجيل القرار أملاً بظروف أفضل، بينما لا يستطيع المريض تأجيل العلاج، ولا الطفل استعادة سنوات التعليم الضائعة، ولا العامل استرجاع فرصه المفقودة. وما يبدو شهوراً للمناورة السياسية قد يمثل سنوات من عمر المجتمع ومستقبله. فالسياسي يستطيع ترحيل المشكلة إلى حكومة أخرى، أما المواطن فيحمل نتائجها معه حتى بعد انتهاء الأزمة.
وهذه الكلفة لا تتوزع بالتساوي. فأصحاب النفوذ يملكون المال والعلاقات والبدائل، فيما يواجه المواطن دولة تتراجع خدماتها. وحين تُترجم المسايرة إلى استثناءات في الإنفاق أو المحاسبة أو تطبيق القانون، تصبح أزمة الحكم اختلالاً في توزيع الحقوق والموارد. فالمال العام ليس ثمناً مشروعاً لشراء الهدوء السياسي. وهنا يتضح الفرق بين حفظ السلم الأهلي وحفظ التوازنات التي يستفيد منها أهل السلطة: الأول يحمي المجتمع، أما الثانية فقد تستمر على حسابه.
وفي هذا الإطار تبرز مسؤولية القوى الحاكمة عن مسايرة الثنائي الشيعي، ولا سيما حزب الله في ملف السلاح. فحماية المواطنين الشيعة وحقوقهم وهواجسهم الأمنية واجب وطني، لكنها تختلف جذرياً عن حماية امتلاك حزب سياسي قوة عسكرية مستقلة عن الدولة. وخلط الأمرين يجعل مطلب المساواة في السيادة تهديداً مزعوماً لجماعة كاملة، ويمنح السلاح وظيفة سياسية تتجاوز وظيفته العسكرية. فلا دولة تقوم على الغلبة الطائفية أو حق اعتراض مسلح يعلو على قرارات مؤسساتها.
والبديل من المسايرة لا يقتضي حرباً داخلية. فاستعادة سلطة الدولة تتطلب مساراً يبدأ بضبط السلاح والتحركات الخارجة على القانون، وحماية القضاء، وتعزيز قدرات الجيش، وتوحيد معايير المحاسبة ومنع توظيف المال العام في تثبيت النفوذ. ولا يكون التدرج إنهاءً للتأجيل إلا بمراحل معلنة ومهل محددة ومسؤوليات واضحة ومراجعة دورية تبين المنجز والمعطّل والجهة المسؤولة. فالفرق بين التدرج والمماطلة أن الأول يقود إلى نتيجة قابلة للقياس، فيما يستهلك الثاني الوقت من دون تغيير الواقع. وبالتوازي، تبقى مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية والمطالبة بالانسحاب من الأراضي اللبنانية مسؤولية وطنية؛ فرفض الاحتلال لا يمنح حزب الله حق احتكار قرار الحرب، ورفض سلاحه لا يبرر الاعتداءات الإسرائيلية.
قد تطيل المعادلة السياسية عمرها بالتأجيل، لكن استمرار السلطة لا يعني قدرة المجتمع على احتمال كلفتها. والاستقرار الذي لا يحمي شروط الحياة يفقد تدريجياً الغاية التي يُفترض أن يقوم من أجلها. فكلما استُنزفت موارد المجتمع وكفاءاته وثقته بالمستقبل، تراجعت قدرة الدولة نفسها على استعادة سيادتها. ومسؤولية الحكم أن يحمي اللبنانيين من مخاطر المواجهة ومن كلفة التعطيل معاً، فلا يصبح السلم الأهلي حصانة للتوازنات السياسية على حساب حقوق الناس. فالسيادة التي تُنتظر من الخارج قد تأتي بشروطه، والسلطة التي تتجنب كلفة ممارستها قد تعجز عن حمايتها عندما تصبح مهددة.
السؤال، أخيراً، ليس كم يكلف لبنان أن يستعيد قراره، بل كم بقي من لبنان ليدفع ثمن عدم استعادته.

كاتب ومحلّل سياسي لبناني مقيم في الولايات المتحدة. يكتب في القضايا اللبنانية والإقليمية والدولية، وتتركّز اهتماماته على شؤون الدولة والسيادة، والتحولات الجيوسياسية، وصراعات النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط. يعتمد في مقالاته مقاربة تربط الحدث السياسي بسياقه الاستراتيجي، مع اهتمام خاص بموقع لبنان ضمن التحولات الإقليمية والدولي



