إيران تشتري الوقت… ولبنان في «دولة نبيه بري»

جوزيف بوهيا
ما يجري في لبنان ليس سلسلة حوادث أمنية منفصلة، بل اختبار لسلطة الدولة في لحظة تراجعت فيها القوة العسكرية لحزب الله. فمن متفجرات ضهر البيدر إلى محاولة عرقلة مداهمة غاليري سمعان والتحركات في الشارع، يتكرر منطق واحد: يمكن للدولة أن تقرر، لكن عليها أن تحسب كلفة التنفيذ. الخطر ليس في قدرة الحزب على منع كل إجراء، فقد ثبت عكس ذلك، بل في تحويل الخشية من الفوضى إلى قيد دائم على المؤسسات، فيما تحاول إيران استثمار هذا القيد في مواجهة الولايات المتحدة.
اعتراف حزب الله بملكية المتفجرات المضبوطة ومطالبته بإعادتها لم يكن خلافاً على شحنة فحسب. فقد صدر قرار حكومي يحظر نشاطه العسكري، ومع ذلك يتعامل الحزب مع ما تملكه أجهزته خارج القانون بوصفه حقاً لا يجوز للدولة مصادرته. والتحقيق الجدي لا يقف عند الناقلين، بل يتتبع من موّل وأمر وحدد الوجهة، من دون اعتماد رواية الحزب أو اتهامه سلفاً بنية غير مثبتة. هنا يكمن الامتحان: هل يصبح حظر النشاط العسكري قاعدة تُنفّذ، أم نصاً تتوقف مفاعيله عند أول تهديد؟
أما في غاليري سمعان، فقد تمكّنت القوى الأمنية، بمؤازرة الجيش، من استكمال مداهمة مستودع الأدوية وضبط المواد غير الصالحة وختمه بالشمع الأحمر. ومع ذلك، اعترض حزب الله، رغم نفي علاقته بالمستودع، على غياب «التنسيق» معه. هذه ليست تفصيلاً إجرائياً: التنسيق لتجنب الاحتكاك شيء، واعتبار موافقة تنظيم مسلح شرطاً لتنفيذ القضاء شيء آخر. والواقعة تحمل درساً معاكساً لمحاولة الترهيب: الاعتراض لم يمنع التنفيذ، ما يعني أن العائق ليس دائماً عجز المؤسسات بل مقدار استعدادها لاستخدام صلاحياتها.
تحركات الشارع تضفي على الوقائع بعداً سياسياً. فليس ضرورياً أن يخوض الحزب مواجهة أمنية كي يفرض حساباته؛ يكفي أن تتوقع السلطة اضطراباً مع كل توسيع للتحقيق أو تنفيذ لأمر قضائي. لكنه ليس صاحب حق نقض مطلق. كل مرة يختار فيها المسؤولون مجاراة حزب الله وحركة أمل تحت شعار تفادي الفتنة، يضيفون إلى نفوذ الثنائي قوة لا يمنحها له القانون. بهذا المعنى لا تُشل الدولة بفعل الضغط وحده، بل أيضاً حين يتخلى القائمون عليها عن الإرادة اللازمة لمواجهته ضمن المؤسسات.
تكتسب هذه الآلية معنى إقليمياً لأن علاقة إيران بحزب الله ليست تقاطع مصالح ظرفياً. إنها شبكة ممتدة من التمويل والتسليح والتنسيق، سمحت لطهران باستخدام الساحة اللبنانية ضمن صراعها الأوسع. ومن هنا تأتي دلالة زيارة المسؤول الإيراني سعيد خطيب زاده ولقائه نبيه بري، ثم دفاعه عن استمرار سلاح الحزب ودعوته إلى تسليح الجميع. لا يثبت ذلك صدور أوامر بتحريك الشارع، لكنه يكشف الموقف الإيراني في لحظة تحاول فيها الدولة إنهاء الاستثناء المسلح: الحفاظ على الورقة التي تسمح بإرباك أي ترتيب أمني يخرج لبنان من حسابات طهران.
إيران لا تراهن بالضرورة على استعادة قدرة حزب الله السابقة على قتال إسرائيل؛ فقد تكون قيمة حليفها الحالية في قدرته على إبطاء قيام واقع سياسي جديد. فطهران، تحت وطأة الضغط العسكري والاقتصادي، تحاول جعل استكمال الحرب مع الولايات المتحدة أكثر كلفة من التفاهم معها. وربطها إعادة فتح مضيق هرمز برفع العقوبات ووقف الأعمال العدائية في المنطقة يعكس رغبتها في التفاوض على الجبهات كحزمة واحدة. وفي هذا الحساب، لا يحتاج لبنان إلى الانفجار كي يتحول إلى ورقة؛ يكفي أن يبقى مهدداً بالاضطراب وعاجزاً عن تنفيذ التزاماته. غير أن استراتيجية رفع الكلفة قد تدفع واشنطن إلى التشدد أيضاً، ولا تضمن طهران التحكم بنتائج التصعيد.
والوقت عنصر أساسي في هذه المعادلة. فاقتراب الانتخابات النصفية الأميركية يجعل تكاليف الطاقة والعمليات العسكرية أكثر حضوراً في الحسابات السياسية الداخلية. وتسعى طهران، ضمن هذا المنطق، إلى إظهار أن استمرار الضغط عليها لن ينتج تسوية قليلة الكلفة، بل اضطرابات تمتد آثارها إلى الاقتصاد الإقليمي وحلفاء واشنطن. وكل تأخير في تطبيق قرار حصرية السلاح يمنحها فرصة إضافية لإبقاء الملف اللبناني عقدة يصعب تجاوزها خارج تفاهم إقليمي أوسع.
في الداخل، لا يُفهم استمرار هذا الواقع من دون دور الرئيس نبيه بري. فحصر نفوذه برئاسة المجلس أو الحصص الوزارية يحجب قدرة تراكمت عبر التفاهمات والإدارات والاستحقاقات، وجعلت المرور بعين التينة جزءاً من حسابات مسؤولين يملكون، دستورياً، صلاحية اتخاذ قراراتهم. بهذا المعنى النقدي تبدو البلاد وكأنها «دولة نبيه بري»: لا لأنه يدير كل مؤسسة شخصياً، بل لأن رؤساء ومسؤولين يعاملون موقفه كمرجعية تتقدم على اختصاصهم. المشكلة ليست فقط في ما يطلبه، بل في ما يُمنح له من حق اعتراض غير مكتوب.
ويغدو نفوذ بري داخل المؤسسات مكمّلاً لقدرة حزب الله على الضغط خارجها. فالحزب يستفيد من غطاء سياسي يحوّل الاعتراض إلى مساومة على القرار، وبري يستفيد من ثقله في فرض شروط التسوية. وعندما يصبح التحذير من الفتنة حجة دائمة لتأجيل التنفيذ، تتحول المحافظة على الاستقرار إلى مقابل سياسي يُطلب من الدولة دفعه. وقد ربط بري بنفسه إمكان الانسحاب الإسرائيلي بالمفاوضات الأميركية الإيرانية، بما يظهر كيف يمكن لتعليق القرار اللبناني على تفاهم خارجي أن يخدم بقاء نفوذ الثنائي في الداخل.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين تُستخدم خسائر الشيعة وتهجيرهم لتبرير استمرار هذه المقايضات. أبناء الجنوب والضاحية والبقاع ليسوا مسؤولين جماعياً عن قرارات الحزب العسكرية، وإسرائيل تتحمل مسؤولية اعتداءاتها، فيما يتحمل الحزب مسؤوليته السياسية عن إدخال البلاد في مواجهة خارج قرار مؤسساتها. التعويض والإعمار حق للمتضررين، لا دين سياسي عليهم، ولا يجوز أن تصبح موارد الدولة أثماناً لتهدئة الشارع أو أرصدة تُنسب إلى الزعامات. وإلا تكفلت الخزينة بإعادة إنتاج النفوذ الذي يقيّدها، بينما يستمر المواطن الذي خسر بيته وعمله رهينة من يدّعي تمثيل ألمه.
في المقابل، يكشف اتصال ماركو روبيو بالرئيس جوزاف عون طبيعة الاختبار الأميركي: ليس المطلوب مصادرة المتفجرات فقط، بل الوصول إلى من أصدر أوامر نقلها وموّلها. وهنا تصطدم المطالب اللبنانية بواقع التعثر في التنفيذ. فالحكومة أقرت حصرية السلاح وكلّفت الجيش بخطة، لكنها لم تترجم ذلك حتى الآن إلى مسار واضح ومتكامل المراحل والنتائج، يثبت قدرتها على إنهائه. والدولة التي تنتظر ضغط الخارج لانتزاع الانسحاب الإسرائيلي، بينما تؤجل القرارات الواقعة ضمن صلاحياتها، تدخل التفاوض بمطالب مشروعة لكن بأوراق عملية محدودة. وفي ضوء هذا الضعف، تتراجع قدرتها على دفع واشنطن إلى ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل، إذ يصعب ضمان اتفاق لا تظهر بيروت قدرة كافية على تنفيذ موجباته.
أما اجتماع تامبا، فلا يحمل في ذاته وعداً بتسوية. قيمته في إبقاء قناة التواصل المباشر مفتوحة، ومنع اختزال الملف اللبناني بالمساومات الأميركية الإيرانية. لكنه يأتي قبل الانتخابات الإسرائيلية في السابع والعشرين من تشرين الأول، وفي ظل دعم ترامب المعلن لنتنياهو وعدم ظهور استعداد إسرائيلي لتنازلات أمنية من دون تقدم لبناني قابل للتحقق. وليس من الواقعي انتظار اختراق سريع لمجرد استمرار الاجتماعات. فالانسحاب الإسرائيلي حق سيادي لا منّة تفاوضية، لكن امتلاك الحق يختلف عن امتلاك القدرة على تحصيله؛ ولا يمكن، في المقابل، تحويل عجز الدولة عن حسم السلاح إلى حجة لإعفاء إسرائيل من التزاماتها.
النتيجة الأخطر لهذا المسار أن تُستنزف قدرة لبنان على القرار مرتين: في الداخل، عندما يصبح تنفيذ القانون رهناً بالتراضيات، وفي الخارج، عندما يفاوض من دون وسيلة موثوقة لتنفيذ ما يتعهد به. عندها يتعطل الإعمار، وتتراجع فرص الاستقرار الاقتصادي، ويبقى قرار الحرب عرضة لحسابات لا تصدر عن المؤسسات. ليس المطلوب من الدولة افتعال صدام ولا انتظار تسوية تمنحها السيادة من الخارج، بل أن تتوقف عن مقايضة صلاحياتها بالخوف. إيران تفاوض على مصالحها، وحزب الله يسعى إلى حماية موقعه، وبري يستثمر نفوذه في شروط الحكم؛ أما الدولة فليس لديها ترف الاستمرار في إعلان قرارات لا تتولى تنفيذها.
فالمعركة ليست على المتفجرات التي صودرت، بل على حق لبنان في ألّا تُصادر إرادته عند الاستحقاق التالي.

كاتب ومحلّل سياسي لبناني مقيم في الولايات المتحدة. يكتب في القضايا اللبنانية والإقليمية والدولية، وتتركّز اهتماماته على شؤون الدولة والسيادة، والتحولات الجيوسياسية، وصراعات النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط. يعتمد في مقالاته مقاربة تربط الحدث السياسي بسياقه الاستراتيجي، مع اهتمام خاص بموقع لبنان ضمن التحولات الإقليمية والدولي



