13 تشرين الأول: ثلاث حروب في سنتين ومسؤولية تاريخية

شارل جبّور
في ذكرى 13 تشرين الأول 1990، تاريخ إخراج العماد ميشال عون من قصر بعبدا على يد جيش حافظ الأسد، يحاول فريقه السياسي حرف الأنظار عن الوقائع التاريخية، من خلال التركيز على أخبار ملفّقة بشأن مَن قصف ومَن سهّل دخول هذا الجيش إلى المناطق الحرة، بهدف التنصّل من المسؤولية عمّن أوصل الأمور إلى تلك النهاية الكارثية.
لكنّ الحقيقة التي لا يجوز القفز فوقها هي أنّ ميشال عون، خلال نحو سنتين من تولّيه مقاليد السلطة، بين خريف 1988 وخريف 1990، خاض ثلاث حروب، كانت لكلّ واحدة منها نتائج كارثية على لبنان واللبنانيين، والمسيحيين تحديداً. ومن هنا، فإنّ أي قراءة جدّية لذكرى 13 تشرين لا يمكن أن تتجاهل الحروب الثلاث، والقرارات التي أدّت إليها، والفرص التي أُهدرت لتجنّب نهايتها المأساوية.
أولاً، الحرب الأولى كانت حرب التحرير.
في 14 آذار 1989، أعلن عون حرب التحرير ضدّ نظام حافظ الأسد، في خطوة تشبه، من حيث الحسابات والنتائج، حرب يحيى السنوار على إسرائيل، لجهة إطلاق مواجهة من دون دراسة الجدوى، أو تقدير موازين القوى، أو احتساب القدرات العسكرية، أو التفكير في النتائج التي يمكن أن تترتّب عليها.
كان عون يراهن على أنّ التدخّل الدولي سيأتي لمصلحته، فيُتوَّج رئيساً للجمهورية ويبقى في قصر بعبدا، منتقلاً من البدلة العسكرية إلى البدلة الرسمية. لكنّ هذا الرهان لم يكن قائماً على حسابات واقعية لموازين القوى، بل على افتراض أنّ الخارج سيتدخّل لإنقاذ مشروعه السياسي.
ولم تكن حساباته منفصلة عن طموحه الرئاسي، ولا عن علاقته المتوترة بحافظ الأسد، الذي لم يمنحه ما كان يطمح إليه. وكان عون قد خاض، في 14 شباط 1989، مواجهة مع القوات اللبنانية كدفعة على الحساب، على أن تُستكمل بعد أن يُتوَّج رئيساً للجمهورية على يد الأسد. وعندما لم يحصل على ما أراده، ذهب إلى حرب التحرير، التي انتهت إلى نتائج معاكسة تماماً لما كان يطمح إليه.
والمفارقة أنّ عون، الذي كان ضابطاً في الجيش اللبناني وتربّى في مؤسسة عسكرية، كان يُفترض به أن يدرك أنّ إعلان الحروب ليس مسألة انفعالية أو قراراً يُتّخذ على أساس الرغبات الشخصية. فالحروب تحتاج إلى دراسة وتمحيص، وإلى تقدير دقيق لموازين القوى والقدرات والنتائج المحتملة.
وهنا تبرز المقارنة مع ما حصل لاحقاً مع «حماس» و«حزب الله». فليس صحيحاً أنّ إسرائيل هي التي بادرت إلى شنّ الحرب في 7 تشرين الأول 2023، بل إنّ «حماس»، بقيادة السنوار، هي التي أطلقت هجومها. وكذلك لم تكن إسرائيل هي التي بادرت إلى فتح جبهة لبنان في 8 تشرين الأول 2023، بل إنّ حسن نصرالله هو الذي قرّر إدخال لبنان في الحرب إسناداً لغزة.
وفي حالة عون، كان نظام الأسد يشكّل خطراً على سيادة لبنان واستقلاله، وكان عدواً للبنان، لكنّ ذلك لا يلغي حقيقة أنّ عون هو الذي قرّر إطلاق حرب التحرير، من دون أن يمتلك مقوّمات حسمها، ومن دون أن يحسب حساب النتائج التي ستترتّب عليها.
وقد جاء التدخّل الدولي بالفعل، لكن ليس لإنجاز مشروع عون الرئاسي، بل لإنهاء الحرب من خلال اتفاق الطائف. وهكذا، تحوّلت الحرب التي أرادها وسيلة للوصول إلى الرئاسة إلى أحد العوامل التي مهّدت لتسوية سياسية لم يكن يريدها بالشروط التي انتهت إليها. فاتفاق الطائف هو النتيجة العملية لحرب التحرير، ولولا هذه الحرب لما وُلد الطائف.
ثانياً، الحرب الثانية كانت حرب الإلغاء.
بعد إقرار اتفاق الطائف وانتخاب رينيه معوّض رئيساً للجمهورية، رفض عون الاعتراف بالسلطة الجديدة وتسليمها مقاليد الحكم، وانتقل إلى مواجهة القوات اللبنانية، مطلقاً حرب الإلغاء في 31 كانون الثاني 1990.
فبدلاً من أن يتعامل مع اتفاق الطائف بوصفه تسوية وطنية لإنهاء الحرب، وأن يتيح للمؤسسات الدستورية استعادة دورها، أصرّ على مواصلة مشروعه، وكأنّ بقاءه في قصر بعبدا يتقدّم على كلّ اعتبار آخر.
ولو اعترف بالسلطة التي انبثقت من اتفاق الطائف، وسلّم مقاليد الحكم للرئيس رينيه معوّض، لربما لم يُغتل الرئيس الشهيد، ولكان عون تجنّب، حكماً، مزيداً من الدمار، وجنّب لبنان جانباً من الكارثة التي حلّت به. كما كان يمكن للبنان أن يستفيد من الزخم العربي والدولي الذي رافق التسوية، للدفع في اتجاه استعادة سيادته، وإنهاء الوجود العسكري السوري، وإنهاء وجود الميليشيا الإيرانية في لبنان.
لكنّ عون اختار الحرب مجدداً، فدمّر ما تبقّى من المنطقة الحرة، واستنزف الجيش اللبناني، وأدخل المجتمع المسيحي في مواجهة داخلية مدمّرة، في وقت كان يُفترض فيه أن تكون الأولوية لإنهاء الحرب واستعادة الدولة.
والأخطر أنّ حرب الإلغاء قدّمت خدمة لنظام الأسد، الذي استفاد من الانقسام داخل المنطقة الحرة ومن إضعاف القوات اللبنانية، التي كانت عدوّه الأول في لبنان، ولم ينسَ أنّها أسقطت اتفاقه الثلاثي.
ثالثاً، الحرب الثالثة كانت حرب 13 تشرين.
حتى في المرحلة الأخيرة، لم تكن الخيارات قد نفدت بالكامل. فقد كانت هناك نصائح ومبادرات وعروض لتسوية الوضع، وإنهاء حالة التمرّد، وتسليم مقاليد السلطة. لكنّ عون أصرّ على البقاء في قصر بعبدا، رغم أنّ المؤشرات إلى استعداد الجيش السوري للهجوم كانت واضحة، وأنّ القاصي والداني كانا يدركان أنّ نظام الأسد ينتظر الفرصة المناسبة لإنهاء هذه الحالة.
وفي 13 تشرين الأول 1990، نفّذ الجيش السوري هجومه، وقصف قصر بعبدا ووزارة الدفاع، ودخل المناطق الحرة، وسقط عسكريون ومدنيون، وتعرّض جنود لبنانيون للقتل والإعدام، فيما انتهى عون إلى اللجوء إلى السفارة الفرنسية وإعلان استسلام قواته، خلافاً لادّعائه أنّه سيكون آخر مَن يغادر القصر، فإذا به يكون أول المغادرين.
كان بإمكان عون أن يختار تسليم السلطة، وأن يتجنّب زجّ الجيش اللبناني في مواجهة غير متكافئة، وأن يحمي ما تبقّى من المنطقة الحرة. لكنّه اختار البقاء، ودفع الجيش واللبنانيين ثمن هذا القرار، قبل أن يعلن استسلامه من دون أن يكون قد أبلغ الضباط الذين دعاهم إلى المواجهة بما انتهى إليه قراره.
وتزداد أهمية هذه الوقائع اليوم مع بدء ظهور شهادات لضباط في الجيش اللبناني تتناول ما حصل في تلك المرحلة، وتعيد فتح النقاش حول القرارات التي اتُّخذت، وكيفية إدارة المواجهة، وما إذا كان بالإمكان تفادي الكارثة.
ثلاث حروب، ومسؤولية واحدة عن الخيارات التي قادت إليها. إنّ تحميل عون المسؤولية لا يعني التقليل من تضحيات العسكريين الذين واجهوا الهجوم السوري، بل يعني وضع الوقائع في سياقها الكامل، وعدم تحويل ذكرى 13 تشرين إلى مناسبة لطمس ما سبقها من قرارات وحروب.
فهو يتحمّل مسؤولية حرب التحرير التي استنزفت المنطقة الحرة ودمّرتها وقادت إلى اتفاق الطائف، ومسؤولية حرب الإلغاء التي عمّقت الانقسام، وأضعفت القوى المسيحية، وضيّعت فرصة تطبيق هذا الاتفاق بما يتيح إخراج الأسد وإيران من لبنان، ومسؤولية الإصرار على البقاء في قصر بعبدا وصولاً إلى حرب 13 تشرين، التي زُجّ فيها الجيش اللبناني في مواجهة انتهت بالاجتياح السوري.
لقد خاض ميشال عون، خلال نحو سنتين، ثلاث حروب، وكانت نتائجها تراجعاً في السيادة، ودماراً في المناطق الحرة، وخسائر بشرية وعسكرية، وضياعاً لفرص سياسية كان يمكن أن تغيّر مسار الأحداث.
وهذه الوقائع وحدها كافية لفتح نقاش تاريخي جدّي حول مسؤوليته ومسؤولية فريقه عن المسار الذي أوصل لبنان واللبنانيين، والمسيحيين تحديداً، إلى تلك الكارثة.
فالتاريخ لا يُكتب بالانتقائية، ولا تُمحى المسؤوليات بتبديل الروايات، ولا بحرف الأنظار من خلال روايات ملفّقة عمّن ساعد الأسد في 13 تشرين، في محاولة لتجاهل مَن اتّخذ القرارات التي أدّت إلى تسليم المنطقة الحرة للأسد.
في سنتين، ثلاث حروب. وهذه حصيلة سياسية وتاريخية لا يمكن القفز فوقها، وعلى الجميع تذكّرها.



