شحنة المتفجرات تفضح الفجوة بين قرار الدولة وتنفيذه

شارل جبّور

يسأل البعض لماذا التركيز على انتقاد الدولة ومهاجمتها، على الرغم من اتخاذها قرارات سيادية لإنهاء الوضعية الشاذة التي يفرضها «حزب الله» منذ 36 عاماً. ويسأل البعض الآخر لماذا كان التركيز الأول للنظامين الأسدي والخامنئي، في سياق سيطرتهما على لبنان، على الدولة قبل الجيشين اللذين يسيطران على الأرض.

فمع إخضاع الأسد الدولة اللبنانية، تحوّل وجوده في لبنان إلى «شرعي وضروري ومؤقت»، ومع إخضاع الخامنئي الدولة اللبنانية، تحوّلت أداته في لبنان إلى جزء من ثلاثية شرعية بعنوان «جيش وشعب ومقاومة». فمن دون هذا الغطاء، كان الموقف الرسمي اللبناني حيال الخارج سيعتبرهما قوتَي احتلال، وكان أداء الدولة في الداخل سيقوم على التعامل معهما بوصفهما قوتين تنتهكان السيادة اللبنانية.

إن جوهر الصراع كان دائماً يدور حول طبيعة الدولة المنشودة: بين حزب إيراني يريد دولة تؤمّن له الغطاء لمواصلة أعماله التخريبية والإرهابية، وبين شريحة واسعة من اللبنانيين تريد دولة فعلية تمسك بقرار الحرب والسلم، وتضبط الحدود، وتضع حداً لهذا الحزب وممارساته على الأراضي اللبنانية.

فمن كان يسمح لهذا الحزب بالتجوّل بعناصره وعتاده، ومن كان يوفّر له الغطاء تحت عنوان «المقاومة»، هي الدولة المخطوفة من الحزب الإيراني. وصحيح أن الدولة اتخذت قرارات سيادية تاريخية وجريئة، لكن شحنة المتفجرات تكشف أن هذه القرارات لم تُترجم إلى إجراءات عملية على الأرض، بما أتاح للحزب مواصلة نشاطه والادعاء بأن وجهة سلاحه هي إسرائيل.

المطلوب اليوم أن تضع الدولة القرارات التي اتخذتها بشأن حلّ التنظيم العسكري والأمني لـ”حزب الله” موضع التنفيذ، وأن يصدر عن مجلس الوزراء قرار واضح لا لبس فيه، يمنع الحزب من استخدام الأراضي اللبنانية لأي نشاط عسكري أو أمني، ويؤكد أن أي محاولة من هذا النوع ستؤدي إلى ملاحقة العناصر المتورطة والمسؤولين عنها وتوقيفهم فوراً.

كما تتحمّل الدولة مسؤولية منع تكرار ما حدث، وتتحمّل مسؤولية التقاعس عن تنفيذ قراراتها. وعليها أن تحسم المسألة بالتأكيد أن هذا الحزب لا يحق له، لا من قريب ولا من بعيد، نقل السلاح أو استخدام الأراضي اللبنانية لأغراضه العسكرية والأمنية.

ويجب أن تؤدي قضية شحنة المتفجرات إلى ملاحقة جميع المتورطين، وتوقيف كل من شارك في نقلها أو أعطى الأوامر بذلك، وكشف الشبكة التي تقف وراء العملية ومحاسبة المسؤولين عنها، بدءاً من الأمين العام للحزب.

كذلك، يجب أن تشكّل هذه القضية مدخلاً لتغييرات بنيوية في أداء الدولة وطريقة تعاطيها مع الحزب، ولا سيما على المستويين العسكري والأمني. وإذا كانت قد أدّت إلى تأخير عمليات كانت قيد التحضير، فعلى الدولة أن تستفيد من هذا التأخير لإعادة النظر في بنيتها العسكرية والأمنية، وتعزيز قدرتها على ملاحقة الحزب وشبكاته، وتوجيه إمكاناتها نحو فرض سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.

لقد حان الوقت لوضع القرارات السيادية موضع التنفيذ، بدءاً من الآن. فعدم التنفيذ هو ما أتاح للحزب مواصلة التنقّل ونقل السلاح، وهو ما يكشف الفجوة القائمة بين القرار السياسي والتطبيق الميداني. فالدولة التي تتخذ قرارات سيادية ولا تنفّذها، تترك سيادتها حبراً على ورق، وتعرِّض شعبها للموت والفوضى والخراب.