من أفغانستان إلى لبنان : ماذا يتعلم اليمن ؟

الراهب
تقدم تجارب العقود الأخيرة درسا واضحا: الانتصار العسكري، مهما كان كبيرا، يمكن أن يتحول إلى هزيمة سياسية إذا لم يجد مشروعا سياسيا ينظمه ويمنع القوى المنتصرة من الاقتتال فيما بينها.
المشهد الأول: كابول وضياع النصر
في عام 1992 دخل المجاهدون الأفغان كابول بعد انهيار نظام محمد نجيب الله، منهين مرحلة طويلة من الحرب ضد الاحتلال السوفياتي وحلفائه.
كان ذلك انتصارا تاريخيا للمعسكر الذي حارب الاتحاد السوفياتي، لكنه لم يكن مصحوبا بمشروع سياسي واضح لإدارة أفغانستان بعد سقوط النظام.
كانت الساحة تضم فصائل مسلحة متعددة، ذات مصالح ومرجعيات وأجندات متناقضة. وما إن سقط الخصم المشترك حتى تحولت البنادق إلى الداخل، واندلع اقتتال بين المجاهدين أنفسهم.
وهكذا ضاع جزء كبير من الثمرة السياسية للانتصار على الاتحاد السوفياتي، ودخلت أفغانستان في حرب أهلية مدمرة انتهت لاحقا بصعود طالبان وتحالفها مع تنظيم القاعدة.
الدرس الأفغاني: لا يكفي أن تتفق القوى المسلحة على إسقاط عدو مشترك؛ يجب أن تتفق مسبقا على ماذا ستفعل بعد سقوطه، وإلا فإنها ستتقاتل عاجلا أو آجلا.
المشهد الثاني: الطائف وتحويل الانتصار إلى تسوية
بعد حرب أهلية لبنانية طويلة، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجا مختلفا في إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
لم تكتفِ الرياض بالعمل على وقف إطلاق النار، بل طرحت مشروعا سياسيا واضحا ومفصلا لمعالجة أسباب النزاع وإنهائه والانتقال من مرحلة إلى مرحلة.
وجاء اتفاق الطائف عام 1989 متضمنا خطوات عملية لإعادة بناء الدولة، وتنظيم العلاقة بين مؤسساتها، ومعالجة مسألة التمثيل السياسي، وصولا إلى تعديل النظام الدستوري.
لكن أهمية الطائف لا تكمن فقط في أنه نظم شكل الدولة في اليوم التالي للحرب؛ بل في أنه كان مبادرة سياسية شكلت نقطة تحول في مسار الحرب الأهلية نفسها، ودفع بها من منطق الاقتتال إلى منطق التسوية وإنهاء الحرب.
ثم تُرجم الاتفاق إلى دستور الطائف، فأصبح الاتفاق السياسي إطارا دستوريا لتنظيم مرحلة ما بعد الحرب.
وهنا تكمن أهمية التجربة السعودية: لم يكن الهدف مجرد إسكات السلاح، بل إنشاء إطار سياسي تستطيع القوى المتحاربة أن تعمل داخله بدلا من أن تتقاتل خارجه، وكان هذا المسار السياسي نفسه جزءا من عملية إنهاء الحرب، وليس مجرد ترتيبات لليوم التالي.
المشهد الثالث: حافظ الأسد والربح السياسي من حرب الكويت
في حرب تحرير الكويت، شاركت سوريا بقيادة حافظ الأسد في التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة والسعودية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي.
لكن دمشق، في الوقت نفسه، حافظت على خطابها السياسي الممانع، واستطاعت أن تحول مشاركتها في التحالف إلى مكاسب في الملف اللبناني.
ففي سياق التسوية الإقليمية والدولية التي أعقبت الحرب، حصلت سوريا على اعتراف عربي ودولي بدورها في لبنان، وعلى الغطاء اللازم لإنهاء حالة الجنرال ميشال عون، وتعزيز الوجود العسكري السوري، ومنح دمشق دورا أساسيا في الإشراف على تطبيق اتفاق الطائف.
بمعنى آخر، لم تنظر دمشق إلى الحرب باعتبارها عملية عسكرية منفصلة، بل باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى وتحقيق مكاسب سياسية في ملفات أخرى.
المشهد الرابع: اليمن يحتاج إلى “طائف” جديد
اليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب اليمنية، فإن المكاسب العسكرية التي حققتها قوات التحالف والقوى الحكومية اليمنية لا يجب أن تبقى بلا ترجمة سياسية.
المشكلة الأساسية ليست فقط في كيفية إضعاف الحوثيين، بل في السؤال التالي: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟.
اليمن يضم قوى وفصائل ومناطق وقبائل ومصالح سياسية متعددة، وليس من الواقعي افتراض أن جميع القوى المناهضة للحوثيين ستتفق تلقائيا على مستقبل البلاد بمجرد انتهاء الحرب. وهنا يجب استحضار درس كابول. ويجب أيضا استحضار درس لبنان بأن العمل السياسي مكمل للعمل العسكري إن لم يكن مظلة له.
لكن درس الطائف بالنسبة إلى اليمن يتجاوز تنظيم اليوم التالي؛ فاليمن يحتاج إلى مبادرة سياسية يمكن أن تصبح نقطة تحول في مسار الحرب نفسها، تجمع خصوم الحوثي المختلفين حول مشروع سياسي جامع ومستقبلي، وتفتح في الوقت نفسه المجال لاختراق صفوف الحوثيين واستقطاب القوى والشخصيات التي يمكن أن تنضم إلى تسوية وطنية.
1. تشكيل لجنة دستورية يمنية
يمكن لمجلس القيادة الرئاسي اليمني أن يطلق مبادرة سياسية واسعة، من خلال دعوة ممثلين عن مختلف القوى المناهضة للحوثيين، والزعامات المحلية الموالية للشرعية، والشخصيات الوطنية ذات الاحترام الواسع، مع إمكانية إشراك شخصيات يمنية لا تنتمي إلى المعسكر المناهض للحوثيين إذا كانت قادرة على المشاركة في صياغة حل وطني.
والهدف هو تشكيل لجنة دستورية وطنية تتولى صياغة دستور جديد. ولا يجب أن يكون الدستور وثيقة أيديولوجية أو أداة انتصار لطرف على آخر، بل وثيقة تركز على:
– حقوق المواطنين وحرياتهم.
– شكل الدولة ومؤسساتها.
– توزيع السلطات.
– اللامركزية الإدارية.
– ضمانات المناطق والمحافظات.
– تنظيم العلاقة بين المركز والأقاليم.
– آليات التداول السلمي للسلطة.
– استقلال القضاء.
– حماية الدولة من السلاح غير الشرعي والتسلط.
أي أن يكون الدستور الجديد مظلة سياسية لليمن الجديد، وليس وثيقة انتصار لفصيل على فصيل: استثمار سياسي يمني في المستقبل.
2. لماذا الدستور قبل نهاية الحرب؟
لأن وجود مشروع سياسي مشترك قد يمنع تكرار السيناريو الأفغاني. ولأن المشروع العسكري إن كان بلا مشروع سياسي فلا معنى له.
فالقوى التي تقاتل الحوثيين قد تكون عاجزة عن الاتفاق على زعامة سياسية واحدة، لكنها تستطيع ربما الاتفاق على قواعد مشتركة لإدارة الدولة حاضرا ومستقبلا.
وهذا هو جوهر تجربة الطائف: تحويل التناقضات بين القوى السياسية من صراع مسلح إلى خلاف داخل إطار سياسي ودستوري.
كما أن مشروعاً دستورياً وطنياً، إذا صيغ بطريقة ذكية وشاملة، يمكن أن يخترق بعض العصبيات المناطقية والمذهبية التي يستند إليها الحوثيون، لأنه سيقدم لليمنيين بديلا سياسيا يتجاوز الاصطفاف العسكري.
وبذلك يصبح الدستور جزءا من استراتيجية إنهاء الحرب، وليس مرحلة لاحقة لها.
المشهد الخامس: الحرب مع إيران وثمن التحالف
وفي الإطار الإقليمي الأوسع، ومع احتمال تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، قد يكون من الضروري أن تعيد دول الخليج تعريف موقعها السياسي.
فدول الخليج تعرضت خلال السنوات الماضية لهجمات إيرانية مباشرة وغير مباشرة، كما لعب حلفاء إيران في المنطقة، وفي مقدمتهم الحوثيون والحشد الشعبي، أدوارا في تهديد أمن الخليج ومصالحه.
ومن هنا يمكن التفكير في إعلان خليجي واضح بأن دول الخليج ليست مجرد دول تستضيف القواعد والقوات الأميركية، بل شركاء بشكل كامل في مواجهة المشروع الإيراني. وهذا التحول يجب أن يكون له مقابل وثمن.
فالولايات المتحدة قد لا تحتاج إلى دول الخليج من الناحية العسكرية البحتة، لكنها تحتاج إليها في معركة أخرى ضد عدوها الأول والدائم – الذي هو صديق إيران الأول والدائم – : الوقت.
إيران تستطيع إطالة الحرب، وتشتيت الموارد، وفتح جبهات متعددة، واستنزاف الخصم عبر الوكلاء. بينما الولايات المتحدة محاصرة بالرأي العام والاستحقاقات الانتخابية والدستورية. ولذلك فإن الدعم الخليجي السياسي واللوجستي والاقتصادي والاستراتيجي، وكذلك المساهمة العسكرية، يمكن أن تكون له قيمة كبيرة في تقليص قدرة إيران على إطالة الصراع أو الصمود.
وفي المقابل، فإن رفع مستوى المشاركة الخليجية في أي مواجهة كبرى يجب أن يقابله ثمن سياسي واستراتيجي واضح، وفي مقدمته:
1. غطاء دولي كامل وفعّال وعملي لإعادة تشكيل اليمن وإنهاء قدرة الحوثيين على تهديد دول الخليج.
2. معالجة شاملة وفعالة وعملية لشبكة الوكلاء المسلحين المرتبطين بإيران، بما في ذلك الحشد الشعبي، حيثما اقتضت التسوية الإقليمية والدولية ذلك.
3. ضمانات أميركية ودولية طويلة الأمد لأمن الخليج.
4. مشاركة دول الخليج في صياغة النظام الإقليمي الذي سيظهر بعد انتهاء المواجهة مع إيران، داخل إيران وخارجها.
5. أن تكون لدول الخليج حصة أساسية في صياغة مستقبل إيران والمنطقة إذا أدى الصراع إلى تغيير النظام الإيراني أو انهياره.
الخلاصة
من كابول إلى الطائف ولبنان ثم إلى اليمن، يتكرر الدرس نفسه: إسقاط الخصم ليس هو نهاية الحرب؛ بل هو بداية أصعب مرحلة: بناء البديل.
السوفيات خرجوا من أفغانستان، لكن المجاهدين لم يعرفوا كيف يديرون انتصارهم.
وفي لبنان، لم تكتفِ السعودية بوقف الحرب، بل ساهمت في إنتاج صيغة سياسية ودستورية لما بعد الحرب، وكان اتفاق الطائف في الوقت نفسه مبادرة سياسية ساهمت في تحويل مسار الحرب نحو إنهائها، وليس مجرد إطار لتنظيم ما بعد الحرب.
أما اليمن، فقد يكون أمام لحظة مشابهة: إما أن تتحول المكاسب العسكرية إلى مشروع سياسي يوحد اليمنيين حول قواعد وقواسم مشتركة، وإما أن تتحول القوى المنتصرة نفسها إلى خصوم جدد، أو تؤدي التناقضات الداخلية – لا سمح الله – إلى إعادة إحياء الحوثي من جديد.
لذلك فإن اليمن لا يحتاج فقط إلى مشروع لليوم التالي، وإنما إلى مبادرة سياسية تسبق نهاية الحرب أو تتزامن معها، تجمع خصوم الحوثي، وتفتح المجال لاختراق صفوفه، وتقدم لليمنيين بديلا سياسيا يمكن أن يتحول إلى نقطة تحول في مسار الحرب، ثم إلى مظلة لتنظيم اليوم التالي.
لذلك فإن أفضل تتويج لأكثر من عقد من الجهد العسكري ليس مجرد هزيمة الحوثيين، وإنما ولادة يمن جديد بدستور جديد، ودولة جديدة، وقواعد سياسية تمنع عودة الحرب وتنظم عصور السلم.
وفي المقابل، فإن أي شراكة خليجية أكبر في مواجهة إيران ينبغي ألا تكون شيكا على بياض، بل صفقة استراتيجية واضحة: مشاركة خليجية أكبر مقابل ضمانات ومكاسب سياسية وأمنية وإقليمية تتناسب مع حجم المخاطر والتضحيات.
فالانتصار الحقيقي ليس أن تنتصر في الحرب فقط، وإنما أن تمنع الحروب التالية.



