المبتزّ والمنتفع والحمقى المفيدون

جوزيف بوهيا

في لبنان، تتّخذ الحكومة قرارًا، ثمّ يبدأ التفاوض على السماح لها بتنفيذه. يعترض صاحب السلاح، ويحذّر حليفه من الفتنة، ويستدعي المنتفعون حوارًا جديدًا، ويتقدّم دعاة الحكمة لمطالبة الدولة بالتريّث. يبقى القرار على الورق، وسلطة تعطيله لدى المعترض عليه. هكذا تصبح المؤسسات مسؤولة عن البلد، من دون أن تملك القدرة على حكمه.

يحمي هذه المعادلة المبتزّ الذي يرفع كلفة رفض مطالبه، والمنتفع الذي يحفظ مصالحه، و«الحمقى المفيدون» الذين يمنحون التنازل غطاء الحكمة. ولا يحتاج هؤلاء إلى اتفاق سرّي؛ يكفي أن تنتهي مواقفهم إلى نتيجة واحدة: تعليق سلطة الدولة على إذن القوى التي يفترض أن تخضع لها.

في السابع من آب 2025، انسحب وزراء من جلسة الحكومة اعتراضًا على بحث مسار نزع سلاح حزب الله. وفي الثاني من آذار 2026، أعلنت الحكومة «الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون»، وألزمته بتسليم سلاحه، وطلبت من الجيش تنفيذ خطته شمال الليطاني. بذلك، أصبح التنفيذ موضوع القرار، لا أصل حقّ الدولة في حصرية السلاح.

للأحزاب حقّ الاعتراض والعمل على تغيير السياسات بالوسائل الدستورية. أمّا اشتراط موافقة الطرف المطلوب منه الامتثال، فيمنحه سلطة أعلى من القرار نفسه. هنا تقع المعركة على من يحكم لبنان: المؤسسة التي تصدر القرار، أم القوّة التي تستطيع منع تنفيذه؟

يمثّل حزب الله القوّة المسلّحة في هذه المعادلة، فيما يؤدّي الرئيس نبيه بري دورًا أساسيًا في إدارتها سياسيًا. ففي آب 2025، حذّر من رمي «كرة النار» في حضن الجيش عبر مهمّة حصر السلاح، ودعا إلى الحوار والاستراتيجية الدفاعية. وفي آب 2026، عاد إلى التحذير من استهداف السلم الأهلي، معتبرًا أنّ المطلوب إسرائيليًا هو الفتنة.

حين يقترن استدعاء الفتنة بإعادة حصر السلاح إلى التوافق، يصبح التحذير تهديدًا في وظيفته السياسية: تقدُّم الدولة ينذر بالانفجار، وتراجعها يشتري الاستقرار. تتحمّل السلطة مسؤولية عواقب التنفيذ، فيما يُعفى الرافض من مسؤولية رفضه. ويكتسب هذا الخطاب وزنًا مضاعفًا حين يصدر عن رئيس مؤسسة دستورية يفترض أن يصون سلطة القانون.

بري طرف ووسيط في آن. وحين يكون ثمن الوساطة تنازلًا عن التنفيذ، تتحوّل إدارة الخطر إلى مصدر نفوذ دائم: يبقى أصل الأزمة، وتبقى الحاجة إلى من يتولّى احتواءها. صحيح أنّ تباينات ظهرت بينه وبين الحزب، وأنّ وزراء أمل لم يعارضوا قرار إدانة عمله العسكري في آذار، بحسب رويترز؛ لكنّ الاختلاف على مغامرة عسكرية لا يحسم الموقف من إنهاء الاستثناء المسلّح. المعيار هو تسهيل التنفيذ بعد صدور القرار.

ويقدّم جبران باسيل نموذج المنتفع الذي يحاول الاحتفاظ بعوائد العلاقة مع الحزب، مع الابتعاد عن كلفتها. ففي جلسة الخامس عشر من أيلول، أعلن تأييده قرارات حصرية السلاح، ودافع عن دعوته إلى حوار حول ورقة لبنانية جامعة. والحوار يُختبر بوظيفته: حين ينظّم التنفيذ يخدم القرار؛ وحين تصبح نتيجته شرطًا للتنفيذ، يعلّقه ويعيد إلى الرافض حقّ النقض.

لهذا التموضع قيمة انتخابية، في ضوء التاريخ الانتخابي لتحالف التيار والحزب. فالاحتفاظ بإمكان التفاهم يحفظ خيارات في تركيب اللوائح وحسابات المقاعد. ومن هنا تُقرأ المسافة المحسوبة: تمايز أمام جمهور ناقم، وصلة بشريك قد تدعو الحاجة إليه انتخابيًا. لكنّ سيادة الدولة لا يجوز أن تبقى رهينة حاجة زعيم إلى الاحتفاظ بأوراقه.

ويتّصل ذلك بالمحاسبة أيضًا. فباسيل، بحكم مسؤوليته السياسية عن مراحل ووزارات أساسية، معنيّ بمساءلة إدارة المؤسسات والمال العام. ويمكن قراءة استمرار صلته بقوّة تملك التعطيل بوصفه احتفاظًا بمظلّة نفوذ عند فتح الملفات؛ فميزان القوّة الذي يكرّسه السلاح يستطيع حلفاؤه الاستفادة منه لمقاومة المحاسبة. لذلك تُقاس صدقية موقفه باستعداده لقيام دولة تستطيع محاسبته كما تستطيع نزع سلاح حليفه. المطالبة بالقانون تفقد معناها حين تبقى مظلّات الاستثناء محفوظة لأصحابها.

أمّا «الحمقى المفيدون»، فقد يكونون أذكياء وحسني النيّة، لكنّهم يضغطون على الطرف القابل للإقناع، ويعاملون تصلّب الآخر كأنّه قدر. يطالبون الدولة بالتنازل لأنّها مسؤولة، ويراعون شروط المسلّح لأنّه قادر على التعطيل. وهكذا يصبح الالتزام بالمؤسسات نقطة ضعف، والتصلّب استثمارًا يدرّ تنازلات جديدة.

ولا يندرج كلّ تحذير من الصدام في هذه الخانة. قدرة الجيش وتماسكه مسألتان جدّيتان، والتنفيذ يحتاج إلى موارد وغطاء سياسي وتدرّج مدروس. لكنّ الحذر المسؤول يعالج النقص ويمنع إعادة التسلّح، فيما يحفظ الانتظار المفتوح أدوات التعطيل. التدرّج يُقاس بما ينتقل إلى سلطة الدولة، لا بعدد المرّات التي تعلن فيها انتظار الظروف المناسبة.

والوقت لا يمرّ بالتساوي على الجميع. يحتفظ المسلّح بحقّ الاعتراض، والمنتفع بخياراته، فيما تتحمّل الدولة أعباء الإغاثة والإعمار والتفاوض بقرار منقوص. يدفع المجتمع كلفة التأجيل من أمنه ورزقه ومستقبله. لذلك تصبح مجاراة الثنائي قرارًا بتوزيع الخسائر على المواطنين لحماية الترتيب السياسي القائم.

وأبناء بيئة الحزب أوّل المعنيّين بكسر هذه الحلقة. حقّهم في الحماية والعودة والتعويض كامل، بصرف النظر عن ولائهم. قيام الدولة يمنحهم حقّ مساءلة من يقرّر باسمهم، ويحرّر مستقبلهم من الارتهان للحماية الحزبية. وتبقى مسؤولية إسرائيل عن اعتداءاتها واحتلالها كاملة؛ ومواجهتها تتطلّب قرارًا لبنانيًا موحّدًا ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق، والتفاوض على الانسحاب، ومطالبة الآخرين بتنفيذ التزاماتهم.

الخروج يبدأ بإسقاط حقّ النقض المفروض على الدولة: تُناقَش وسائل التنفيذ داخل المؤسسات، ويُجهَّز الجيش، وتتحمّل الحكومة مسؤوليتها، ويُترك القضاء المستقلّ يفتح ملفات المحاسبة. وعلى القوى السيادية قبول كلفة ذلك على تحالفاتها ومصالحها. فالدولة التي يُسمح لها بالحكم فقط حين لا تمسّ أحدًا، لن تحكم شيئًا.

ما دام الوضع على حاله، فالكارثة واقعة؛ لأنّ آليتها تعمل بالفعل: قرار معطّل، ومجتمع مستنزف، ومؤسسات تفقد قدرتها على الحماية والمحاسبة. وكلّ تنازل يشتري هدوءًا مؤقتًا يجعل استعادة الدولة أعلى كلفة وأقلّ إمكانًا. المبتزّ يحمي قوّته، والمنتفع يحمي موقعه، والحمقى المفيدون يحمون تسوياتهم. أمّا لبنان، فيُطلب منه أن يموت بالتقسيط كي تبقى مصالحهم حيّة.