قانون الانتخاب أداة… والمشكلة في النظام السياسي

شارل جبّور

كلما عاد النقاش حول قانون الانتخاب النيابي إلى الواجهة، عادت معه الانقسامات السياسية والطائفية، لأن المشكلة الفعلية ليست في قانون انتخاب، بل في من يتوسّل القانون من أجل تحكيم العدد في البلد، وبالتالي فإن المشكلة هي في النظام السياسي الذي يجعل من كل قانون انتخاب معركة على مستقبل البلد.
فالنقاش الذي يبدو، في ظاهره، تقنيًا وديمقراطيًا حول حجم الدوائر وطريقة احتساب الأصوات وتوزيع المقاعد، يخفي في العمق سؤالًا أكثر جوهرية: هل لبنان دولة تقوم على الشراكة بين المسيحيين والمسلمين انطلاقًا من ميثاق العيش المشترك والدستور الذي ثبّت المناصفة، أم دولة يُحسم فيها القرار وفق منطق العدد، فتتحول الأكثرية العددية إلى وسيلة للهيمنة السياسية على القرار والدولة والبلد؟
فالمشكلة ليست في مبدأ الانتخابات، التي يجب أن تعكس صورة المجتمع وصحة تمثيله في وطن تعددي قائم في ميثاقه ودستوره على الحفاظ على هذه التعددية وصيانتها، بل في استخدام قانون الانتخاب لإعادة رسم موازين القوى داخل النظام، بحيث يصبح القانون أداة لإنتاج أكثرية قادرة على الإمساك بالقرار الوطني، بدل أن يكون وسيلة لتأمين صحة التمثيل والشراكة.
إذا كان هناك فريق سياسي يرى أن طريقه إلى الإمساك بالبلد يمر عبر التحكم بالعدد، فإن المعركة حول قانون الانتخاب تصبح، بالنسبة إليه، معركة على السلطة نفسها، تحقيقًا لمآربه السياسية بربط لبنان بإيران. وفي المقابل، تصبح المناصفة بالنسبة إلى الفريق الآخر ضمانة أساسية لعدم تحويل الأكثرية العددية إلى أداة لإلغاء الشراكة.
وقد تحولت قوانين الانتخاب، منذ تسعينات القرن الماضي، إلى إحدى أبرز ساحات الصراع السياسي من أجل الهيمنة على الدولة من داخل النظام، فلم يكتفِ حافظ الأسد بوجود جيشه في لبنان، بل أمسك بالدولة عن طريق مجلس النواب، من خلال وسيلة قانون الانتخاب.
وسادت نظرية في تسعينات القرن الماضي مفادها أن تصغير الدوائر يؤدي إلى انتخاب المتطرفين لدى المسيحيين، وكأن داخل البيئة المسيحية هناك “دواعش” أو أحزاب إيرانية تعتبر نفسها تمثل الله على الأرض، فيما كان الهدف من هذا التقسيم إعادة إنتاج طبقة سياسية موالية لنظام الأسد وتنفذ مطالبه.
وهل يعقل أنه في كل استحقاق انتخابي يتجدد السؤال: على أي قانون سترسو هذه الانتخابات؟ وكيف سترسم الدوائر؟ وكيف ستوزّع المقاعد؟ ومن يضمن صحة تمثيل هذه الطائفة أو تلك؟ ومن يستطيع أن يفرض مرشحيه على هذه البيئة أو تلك؟ وهذا يعني ببساطة أن المشكلة أعمق من القانون. المشكلة في نظام سياسي يجعل اللبنانيين يعيشون باستمرار تحت سقف التنافس على النفوذ بين من يريد إلحاق لبنان بمشاريع الممانعة، وبين من يريد إرساء دعائم دولة طبيعية، وبين من يعتبر كل استحقاق دستوري أو انتخابي جزءًا من عملية ديمقراطية ومساءلة تقوم بها الناس، وبين من يتوسّل هذه الاستحقاقات من أجل الهيمنة على البلد.
والأمر لا يتوقف، طبعًا، على قانون الانتخاب. فإذا كان الخلاف حول السلاح والدولة والقرار الوطني لا يُحسم، وإذا كانت هناك جماعات سياسية تتمسك بخيارات استراتيجية مختلفة جذريًا عن خيارات جماعات أخرى، فما معنى الاستمرار في محاولة جمع المختلفين على كل شيء تحت سقف سياسي واحد، وكأن الخلافات الأساسية يمكن تجاوزها بمجرد تعديل قانون انتخابي؟
أليس هذا هدرًا للوقت، والأهم هدرًا لفرص الاستقرار والازدهار وحق اللبنانيين في العيش بأمان؟ المطلوب، بدلًا من ذلك، أن يُفتح النقاش الجدي حول النظام السياسي نفسه: كيف يمكن بناء نظام مستقر يضمن الشراكة، ويمنع أي جماعة من استخدام العدد أو القانون أو التحالفات الانتخابية للسيطرة على الجماعات الأخرى؟
وهنا يصبح السؤال الحقيقي المطلوب اليوم ليس: أي قانون انتخاب نريد؟ بل: أي نظام سياسي نريد؟ لأن تغيير قانون الانتخاب، مع إبقاء النظام الذي ينتج الأزمات، يعني عمليًا تغيير الأداة والإبقاء على المشكلة. أما تغيير النظام السياسي، فيعني معالجة أصل المشكلة، والبحث عن صيغة تضمن لكل جماعة أن تعيش خياراتها وقناعاتها، من دون أن تتحول هذه الخيارات إلى مشروع للسيطرة على الجماعات الأخرى أو إخضاعها.
لقد قيل طويلًا إن المطلوب تغيير النفوس قبل النصوص. لكن التجربة اللبنانية تقول إن تغيير النفوس مسألة طويلة وغير كافية لوحدها. عندما تكون النصوص نفسها قابلة لإعادة إنتاج الهيمنة، وعندما يتحول قانون الانتخاب إلى وسيلة لصناعة أكثرية سياسية تتحكم بالبلد، يصبح تغيير النصوص جزءًا أساسيًا من الحل.
لقد حان الوقت، إذًا، لأن ننتقل من الدوران داخل الحلقة المفرغة لقوانين الانتخاب إلى البحث في أصل المشكلة: النظام السياسي الذي يجعل من كل قانون انتخاب معركة على لبنان نفسه.
لقد نجحت الممانعة الأسدية والخامنئية في حكم لبنان، ليس عن طريق تغيير النظام السياسي، بل من خلال النظام نفسه، بواسطة قوانين انتخابات معلبة ومفصلة وفقًا لأهدافهما، ولم يعد مقبولًا الاتكاء على النصوص الموجودة ولا على النوايا، بل المطلوب قطع الطريق على قوانين الانتخاب التي تشكل وسيلة لحكم البلد، وهذا القطع غير ممكن سوى بتغيير النظام، من خلال جعل كل جماعة تنتخب نفسها وتتحكم بإقليمها، ومن دون هذا الفصل المثبت في النظام، ستبقى بعض الجماعات تتوسّل النظام القائم لحكم البلد.
وبين النظام السابق الذي أدخل لبنان في الحرب، وبين النظام الحالي الذي استخدمه الأسد والخامنئي لحكم لبنان، حان الوقت لنظام جديد يمنع استخدامه من الخارج أو من الداخل لحكم البلد.