واشنطن لبيروت: انتهت فترة السماح

شارل جبّور
في كل شيء في الحياة هناك فترة سماح، وعندما تنتهي هذه الفترة، لا يعود مسموحًا للفريق الذي لم يلتزم بموجباتها أن يستمر في المراوغة وكأن شيئًا لم يكن. لقد منحت الولايات المتحدة الأميركية لبنان فترة سماح طويلة، امتدت حتى الآن إلى أكثر من سنة ونصف، لإدارة مسألة سلاح “حزب الله” ومعالجتها، انطلاقًا من التفاهمات والالتزامات التي قطعتها الدولة اللبنانية، فضلًا عن أن إنهاء سلاح هذا الحزب هو مصلحة لبنانية صافية. لكن هذه الفترة لا يمكن أن تكون مفتوحة إلى ما لا نهاية، ولا يمكن أن تبقى واشنطن تتحمل مسؤولية دولة لبنانية لا تتحمل مسؤوليتها في تنفيذ قراراتها.
وعلى الرغم من أن لبنان يتعرض لضغط مالي واقتصادي شديد بفعل العقوبات والضغوط الأميركية المرتبطة بـ”حزب الله”، فإن هذا المسار لا يكفي وحده من دون خطوات أميركية إضافية، طالما أن الدولة اللبنانية لم تفهم بعد أن عليها أن تتحمل مسؤوليتها، وأن تتصرف بالجدية المطلوبة في نزع سلاح الحزب الإيراني في لبنان، وأن تقلع عن الوعود والكلام من دون ترجمة عملية.
وآخر مظاهر هذه المراوغة جاء في خطاب رئيس الحكومة نواف سلام أمام الأمم المتحدة، حيث لم يأتِ على ذكر “حزب الله” بالاسم، واكتفى بكلام عام عن السيادة واحتكار الدولة للسلاح وقرار الحرب والسلم، وكأن هناك جيوشًا متعددة تنتهك السيادة اللبنانية، فيما الجهة التي تفرض واقعًا عسكريًا خارج سلطة الدولة هي فريق واحد اسمه “حزب الله”، وهو أداة إيرانية في لبنان.
وما ينطبق على رئيس الحكومة ينسحب حتمًا وحكمًا على رئيس الجمهورية، الذي يمسك بالأجهزة العسكرية والأمنية، ولا يمنحها الأوامر المطلوبة لتنفيذ الدستور وقرارات الحكومة، وإنهاء الحالة الإيرانية الشاذة الممتدة منذ انتهاء الحرب في مطلع تسعينيات القرن الماضي. والأغرب أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يطالبان الولايات المتحدة بالضغط على إسرائيل، فيما لا يبديان الاستعداد نفسه لتنفيذ ما هو مطلوب منهما داخل لبنان. وكأن المطلوب من واشنطن أن تضغط، فيما تبقى الدولة اللبنانية خارج دائرة الضغط والمسؤولية.
ومن المفيد هنا التذكير بما يحاول البعض نسيانه، عن سابق تصور وتصميم: إن إدارة الرئيس دونالد ترامب، والرئيس ترامب شخصيًا، مارسا ضغطًا على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الحرب، في الوقت الذي كان فيه استمرار الحرب يؤدي إلى إنهاء القدرات العسكرية لـ”حزب الله” وإلى انتشار عسكري إسرائيلي أوسع داخل لبنان. فبعد إسقاط الجيش الإسرائيلي الحافة الأمامية للحزب الإيراني، أصبحت وتيرة تقدمه سريعة جدًا.
وعلى هذا الحزب أن يشكر رئيس الجمهورية، لأنه أوقف هذا التقدم من خلال تعهده لواشنطن بأنه سيسير بخطى السلام. وما إن أوقف ترامب الحرب حتى تبيّن أن المفاوضات شأنها شأن قرارات الحكومة المتعلقة بحل التنظيم العسكري والأمني للحزب الإيراني: وعود وتعهدات من دون ترجمة عملية. ومع ذلك، لا يزال هناك من يطالب واشنطن بمزيد من الضغط، فيما لا يقدم في المقابل أي دليل على جدية الدولة اللبنانية في تنفيذ ما التزمت به.
لذلك، وصلت الأمور إلى مرحلة ينبغي معها على الولايات المتحدة الأميركية أن تغيّر طريقة تعاملها مع الدولة اللبنانية. فلا يجوز أن تستمر في استقبال المسؤولين اللبنانيين وكأن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، فيما القرارات المعلنة لا تجد طريقها إلى التنفيذ. والمطلوب من إدارة ترامب أن تتعامل بوضوح وحزم مع الدولة اللبنانية: إما أن تنفذ قراراتها المتعلقة بنزع سلاح “حزب الله” وبسط سلطة الدولة وتحقيق السلام مع إسرائيل، وإما أن تتحمل مسؤولية ترك هذا السلاح خارج سلطة الدولة، بكل ما يترتب على ذلك من نتائج.
وعلى الولايات المتحدة أيضًا أن ترفع الغطاء عن الدولة اللبنانية التي تتلطى خلف الدعم الأميركي، فيما تواصل المراوغة وتقديم الأعذار والحجج والتذرع بالظروف لعدم تنفيذ قراراتها. فلا يمكن أن تطلب الدولة اللبنانية من واشنطن أن تضغط على إسرائيل، فيما هي تتلكأ عن تنفيذ أبسط مسؤولياتها المتعلقة بدستورها وقراراتها، من أجل أن تعود دولة محترمة، لا ساحة إيرانية.
يجب أن تقول واشنطن لبيروت: لقد انتهت فترة السماح، وحان الوقت لأن يتحمل كل طرف مسؤوليته. وعلى الدولة اللبنانية أن تختار بين تنفيذ قراراتها أو تحمل مسؤولية عدم تنفيذها. أما الاستمرار في المراوحة، فلم يعد خيارًا يمكن للولايات المتحدة أن تغطيه إلى ما لا نهاية.



