سنتان على اغتيال نصرالله.. ثلاث ضربات كبرى أنهت الحزب الإيراني في لبنان

شارل جبّور
في مثل هذا اليوم قبل سنتين، اغتالت إسرائيل الأمين العام السابق لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، في واحدة من أكبر الضربات التي تلقاها الحزب منذ تأسيسه، وفي سياق الحرب التي اختار نصرالله بنفسه خوضها ضد إسرائيل، بدءًا من 8 تشرين الأول 2023، غداة “طوفان الأقصى”.
وقد شكّل اغتيال نصرالله بداية مسار متكامل من الضربات التي أصابت الحزب في قيادته، وعمقه الإقليمي، وقدراته العسكرية، وصولًا إلى السردية التي بنى عليها قوته وهيبته ودوره طوال عقود. وكان نصرالله قد أعلن بنفسه هذه الحرب، ويتحمّل كامل المسؤولية عن فتحها وربطها بغزة، بعدما أمضى، منذ انتهاء حرب تموز 2006، في تقديم صورة مفادها أن إسرائيل ضعيفة، وأن حزبه أقوى منها، وأنه قادر على ردعها ومنعها من المبادرة إلى الحرب، وصولًا إلى تدميرها.
وكان نصرالله يقدّم حرب تموز 2006 باعتبارها انتصارًا لحزبه وهزيمة لإسرائيل، وراح طوال السنوات التالية يكرّس في خطاباته فكرة أن إسرائيل إلى زوال، وأن الحزب قادر على إلحاق الهزيمة بها. لكن إسرائيل، باعتبارها دولة تستعد للحرب حتى عندما لا تريدها، كانت تعدّ ملفاتها وخططها لاحتمال أن ينتقل الحزب يومًا من التهديد إلى الفعل. وعندما قرر فتح جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول، وجد نفسه أمام دولة كانت تنتظر هذه اللحظة، لكنها أبدت في الوقت نفسه استعدادها لإعادة العمل بقواعد اشتباك جديدة، إلا أن نصرالله رفض وقف الحرب، وأصر على مواصلة ربط جبهة لبنان بجبهة غزة، إلى أن اغتيل، ثم جاء من بعده الشيخ نعيم قاسم ليقبل بفصل المسارين تحت وطأة واقع عسكري مختلف.
الضربة الأولى: اغتيال نصرالله
لم يكن نصرالله أمينًا عامًا عاديًا في تاريخ “حزب الله”. فقد تحوّل، خلال سنوات قيادته، إلى الشخصية الأكثر تأثيرًا في الحزب، وإلى رمز يتجاوز الإطار التنظيمي للحزب نفسه. امتلك الكاريزما والقدرة على الخطاب والتأثير، ونجح في مخاطبة العالم العربي والإسلامي، وتحول إلى حالة جماهيرية استثنائية. كان جمهوره يهتف باسمه، ويبكي أمامه، ويؤمن بقدرته على حماية الحزب وقيادته إلى الانتصار.
لذلك، لم يكن اغتياله مجرد اغتيال أمين عام. كان اغتيال القائد الذي ارتبطت به صورة الحزب وهيبته ودوره. وكانت الصدمة أكبر لأن الجمهور الذي اعتاد أن يرى نصرالله باعتباره شخصية عصية على الاغتيال، اكتشف أن إسرائيل استطاعت الوصول إليه في قلب الضاحية الجنوبية. وهنا أصابت إسرائيل الحزب في أهم رموزه: القائد الذي شكّل، طوال عقود، مصدر القوة المعنوية والسياسية والعسكرية لهذا التنظيم.
الضربة الثانية: سقوط الجسر من طهران إلى بيروت
بعد اغتيال نصرالله، جاء سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024 ليشكّل الضربة الاستراتيجية الثانية. فسوريا لم تكن بالنسبة إلى “حزب الله” مجرد ساحة نفوذ أو دولة حليفة، بل كانت الجسر الذي يصل إيران بلبنان، والممر الذي عبرت من خلاله الأسلحة والمقاتلون والحرس الثوري، والذي أمّن للحزب عمقه الإقليمي وخط إمداده الأساسي.
والحزب نفسه كان قد استُنزف في سوريا على مدى سنوات، وسقط له آلاف القتلى، قبل أن يسحب قواته للقتال في مواجهة إسرائيل. ومع انهيار النظام الأسدي، نتيجة الضربات التي تلقتها الميليشيات الإيرانية في سوريا ولبنان، واستسلام الحزب الإيراني في 27 تشرين الثاني 2024، انهار أحد أهم الأعمدة الجغرافية التي قام عليها المشروع الإيراني في المنطقة، فسقط الجسر الممتد من طهران إلى بيروت.
وهذا يعني أن الحزب لم يخسر فقط جزءًا من قوته داخل لبنان، بل خسر أيضًا البيئة الإقليمية التي كانت تسمح لإيران بإسناده وإمداده وتعويض خسائره، وأصبح بين إيران وحزبها في لبنان واقع سوري جديد يشكّل حاجزًا أمام إعادة إنتاج الممر الذي استخدمته طهران طوال سنوات.
الضربة الثالثة: إسقاط السردية
وهذه هي الضربة الأهم، لأنها لم تستهدف فقط قيادة الحزب وقدراته العسكرية وعمقه الإقليمي، بل استهدفت الأساس الذي بنى عليه الحزب قوته وهيبته وحجته لبقاء سلاحه ودوره. كان “حزب الله” يتوجه إلى جمهوره وإلى اللبنانيين وإلى العالم العربي والإسلامي باعتباره “المقاومة” التي قهرت إسرائيل، وواجهتها، وصمدت في وجهها.
وكان يتوجه إلى اللبنانيين تحديدًا ليقول لهم إنه القوة القادرة على حماية لبنان، وإن الجيش عاجز، وإن سلاحه هو الذي يؤمّن الردع، وإن وجوده المسلح إلى جانب الدولة ضرورة لحماية البلد. إن هذه السردية كانت جوهر مشروع الحزب. لكن إسرائيل أسقطتها عندما تمكّنت من اختراق منظومته الأمنية، واستهداف قياداته، وتدمير جزء أساسي من قدراته العسكرية، والوصول إلى أمينه العام. وأسقطتها عندما ظهرت هشاشة القوة التي حاول الحزب أن يقدّمها طوال سنوات باعتبارها قوة لا تُقهر ولا يمكن اختراقها. وأسقطتها عندما تبيّن أن الحزب الذي كان يقدّم نفسه للبنانيين باعتباره القادر على حماية لبنان، لم يكن قادرًا على حماية قيادته ولا بنيته العسكرية ولا عمقه الإقليمي. وهنا تكمن أهمية الحرب. فالمسألة لم تعد أن “حزب الله” خسر معركة عسكرية، بل خسارته للحجة التي استخدمها لتبرير بقاء دوره وسلاحه.
بعد اغتيال القائد الرمز، وبعد سقوط الجسر الممتد من طهران إلى بيروت، وبعد إسقاط السردية التي بنى الحزب عليها قوته وعظمته وحجته لبقاء سلاحه ودوره، ماذا يبقى؟ لا يبقى أمام “حزب الله” سوى أن يسارع إلى تسليم سلاحه إلى الدولة وحل تنظيمه العسكري والأمني، لأن الاستمرار في الخيار نفسه يعني الاستمرار في عدّ الخسائر.
لقد انتهى زمن الانتصارات الوهمية الذي اعتاد الحزب أن يخاطب جمهوره به، وانتهت معه صورة الحزب الذي لا يُهزم ولا يُقهر. والمرحلة المقبلة لا يمكن أن تكون محاولة لاستعادة الصورة السابقة، بل ما إذا كان الحزب سيقبل بالواقع الجديد، أم سيصر على الاحتفاظ بسلاحه خارجها. وإذا أصر على البقاء في الملعب العسكري، فهو يواصل تعريض نفسه وبيئته لمزيد من الخسائر. فبعد كل ما حصل، لم يعد السؤال ماذا بقي من “حزب الله” الذي عرفناه قبل 8 تشرين الأول 2023؟
السؤال الحقيقي هو: هل يدرك الحزب أن زمن الحزب المسلح خارج الدولة انتهى، وأن ما بقي أمامه هو التخلي عن مشروعه المسلح؟
ثلاث ضربات متتالية: اغتيال القائد الرمز، سقوط الجسر الإقليمي، وإسقاط السردية، وهذه ليست نهاية معركة فحسب. إنها نهاية مرحلة كاملة من تاريخ “حزب الله”. إنها الفصل الأخير من حقبة تأسيسه وتطوره، وخاتمة النسخة الراهنة منه. ومن الأفضل له أن يكتب بنفسه هذه الخاتمة، من أجل أن يحدّ من خسائره، لأن هذه النسخة انتهت، وإلى الأبد.



