أيّ تقاعس تتحدّث عنه الوفاء للمقاومة؟

تقاعس وزارة الخارجية واتهامات الوفاء للمقاومة وتحركات يوسف رجّي في نيويورك

اتهمت كتلة «الوفاء للمقاومة» الحكومة بالتقاعس عن «توجيه الدبلوماسية اللبنانية من خلال وزارة الخارجية» لرفع قضية الاعتداءات الإسرائيلية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

اتهام غريب في توقيته، فيما وزير الخارجية يوسف رجّي موجود في نيويورك، يحمل في لقاءاته ملف الجنوب، ويطالب بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل، ودعم الجيش اللبناني، وبسط سلطة الدولة بواسطة قواها الشرعية، وعودة الأهالي إلى قراهم.

فأيّ تقاعس تتحدّث عنه الكتلة؟

يبدو أن المشكلة ليست في غياب الدبلوماسية اللبنانية، بل في أن الدبلوماسية اللبنانية لم تعد تؤدي الدور الذي اعتاده حزب الله منها طوال سنوات: الدفاع عن روايته وسلاحه وخياراته أمام الخارج.

وهنا يكمن التحوّل.

لسنوات، سمع العالم من مسؤولين لبنانيين، ومن داخل وزارة الخارجية تحديدًا، خطابًا يدافع عن الحزب باعتباره «مقاومة»، ويواجه المواقف الدولية منه انطلاقًا من هذا التوصيف. حتى إن وزير الخارجية السابق جبران باسيل دافع علنًا عام 2019، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الأميركي مايك بومبيو، عن الموقف اللبناني الذي لا يعتبر حزب الله حزبًا إرهابيًا.

اليوم تغيّر المشهد.

يوسف رجّي لا يتصرف باعتباره وزيرًا مكلّفًا تحسين صورة حزب الله في الخارج أو تبرير سلاحه وقراراته. وهو لم يخفِ موقفه أصلًا، إذ سبق أن وصف الحزب بأنه «إيراني الهوى» ودعا إلى نزع سلاحه وحصره بيد الدولة.

ومن الطبيعي، انطلاقًا من هذا المفهوم، ألا يحمل رجّي إلى نيويورك ملف الدفاع عن حزب يتخذ قراراته العسكرية خارج المؤسسات الدستورية، بل ملف الدولة التي يمثلها.

والفارق يظهر في مضمون تحرّكه.

مع المسؤولين الدوليين، يناقش رجّي انسحاب إسرائيل، الاعتداءات، مستقبل الجنوب بعد اليونيفيل، دعم الجيش، عودة الأهالي والاستقرار. ومع نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني، لم يكتفِ بعرض المشكلة، بل طلب المساعدة في تأمين الانسحاب الإسرائيلي ودعم صمود القرى الجنوبية.

وجاء الرد الإيطالي بإعلان تاجاني تخصيص دعم مالي إضافي للقرى المسيحية في جنوب لبنان.

هذه نتيجة ملموسة لتحرك دبلوماسي يفترض أنه «متقاعس».

وفي لقاء آخر، بحث رجّي مع منظمة فرسان مالطا دعم الجنوب، في وقت تستعد المنظمة لافتتاح مركز صحي نموذجي في زوطر الغربية يمكن أن يشكّل نموذجًا لمشاريع أخرى.

هكذا يفترض أن تعمل الخارجية: تستخدم علاقات لبنان للحصول على دعم للبنانيين، وتضع أمام المجتمع الدولي مطالب الدولة، وتعيد فتح الأبواب أمام بلد دفع أثمانًا باهظة نتيجة أزماته وحروبه وانقساماته.

أما مطالبة وزير الخارجية، مباشرة أو ضمنًا، بأن يصبح محامي دفاع عن حزب الله في الخارج، فليست دفاعًا عن الدبلوماسية اللبنانية، بل خلط بين دبلوماسية الدولة ودبلوماسية الحزب.

والمفارقة الأكبر أن بيان «الوفاء للمقاومة» نفسه يقدّم نموذجًا لهذا الخلط. ففي الوقت الذي ينتقد فيه أداء الخارجية اللبنانية، يخصص جزءًا من مواقفه لتحية إيران وقيادتها وحكومتها وحرسها الثوري وجيشها، ويعلن «ثقته المطلقة» بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: أي سياسة خارجية تريدها الكتلة للبنان؟

سياسة تنطلق من مصلحة الجمهورية اللبنانية، أم سياسة يُقاس نجاحها بمدى انسجامها مع خيارات حزب ومحور إقليمي؟

يمكن للكتلة أن تختلف مع يوسف رجّي كما تشاء. ويمكنها أن ترفض موقف الحكومة من السلاح وأن تواجهه سياسيًا ونيابيًا. لكن لا يمكن اختزال الدبلوماسية اللبنانية بمدى دفاعها عن حزب الله.

يوسف رجّي موجود اليوم في نيويورك ليتحدث عن لبنان: عن أرضه، وسيادته، وجيشه، وجنوبه، وأهله، وعلاقاته الدولية.

أما الدفاع عن حزب الله وخياراته وسلاحه، فليس بندًا في الوصف الوظيفي لوزير خارجية الجمهورية اللبنانية.

وإذا كان هذا تحديدًا ما تسمّيه «الوفاء للمقاومة» تقاعسًا، فنعم:

ليستمر هذا «التقاعس».