محمد رعد… مَن أعطاك حق منح الدولة شهادة سيادة؟

سيادة الدولة اللبنانية وكلام محمد رعد عن السلطة والاستراتيجية الدفاعية

قالها محمد رعد بوضوح، وربما اختصر بهذه الجملة وحدها جوهر المشكلة:

«من مقدمات ذلك وجود سلطة ذات سيادة وعلى قدر المسؤولية».

كان رعد يجيب عن سؤال حول الاستراتيجية الدفاعية وإمكان أن تصبح «المقاومة» جزءًا من منظومة دفاعية وطنية يكون قرار استخدامها حصرًا بيد الدولة.

لكن جوابه يطرح سؤالًا يسبق الاستراتيجية الدفاعية والسلاح معًا:

مَن أعطى حزب الله حق تحديد ما إذا كانت السلطة اللبنانية «ذات سيادة وعلى قدر المسؤولية»؟

في الجمهورية اللبنانية، لا تحتاج الدولة إلى شهادة سيادة من حزب الله.

ولا يحتاج رئيس الجمهورية إلى مصادقة محمد رعد على سيادته.

ولا يحتاج مجلس الوزراء إلى موافقة حزب مسلح كي تصبح قراراته قرارات دولة.

السيادة ليست صفة يمنحها حزب للسلطة عندما تعجبه قراراتها، ويسحبها منها عندما تختلف معه.

الدستور واضح: الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، ويمارسها عبر المؤسسات الدستورية.

وواضح أيضًا في توزيع الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء.

أما وثيقة الوفاق الوطني، التي طالب رعد نفسه رئيس الجمهورية بالاحتكام إليها، فهي أيضًا واضحة في هدف بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية، وفي معالجة مسألة السلاح خارج الدولة.

فإذا كان الاحتكام إلى الدستور والطائف هو المطلوب، فلنحتكم إليهما فعلًا.

المشكلة ليست في أن يعارض حزب الله الحكومة.

من حقه أن يعارضها.

ومن حق نوابه أن يصوّتوا ضد قراراتها، وأن ينتقدوا رئيس الجمهورية والحكومة، وأن يخوضوا الانتخابات على برنامج مختلف، وأن يسعوا، من خلال المؤسسات، إلى تغيير السياسات التي يرفضونها.

لكن ما لا تحسمه المعارضة السياسية هو شرعية الدولة نفسها.

فعندما تصبح الاستراتيجية الدفاعية مشروطة أولًا بوجود سلطة يعتبرها الحزب «ذات سيادة وعلى قدر المسؤولية»، يظهر سؤال لا يمكن تجاوزه:

مَن أصبح المرجع؟

الدولة التي يفترض أن يخضع السلاح لقرارها؟

أم صاحب السلاح الذي يقرر أولًا ما إذا كانت الدولة مؤهلة لتسلّم القرار؟

وهنا تكمن العقدة.

لأن الدولة، وفق هذا المنطق، لا تستعيد كامل صلاحياتها بمجرد وجود مؤسسات دستورية وحكومة ومجلس نواب وجيش، بل عليها أولًا أن تستوفي شروطًا سياسية حتى تصبح، في نظر الحزب، جديرة بممارسة سيادتها.

لكن السيادة لا تعمل بهذه الطريقة.

الحكومة قد تخطئ وقد تصيب.

الرئيس قد يتخذ موقفًا يعجب حزب الله أو يرفضه.

ومجلس الوزراء قد يصدر قرارًا يؤيده الحزب أو يعارضه.

هذه كلها مسائل سياسية قابلة للنقاش والمحاسبة والانتخابات.

أما وجود الدولة ومرجعيتها في قرارها السيادي فلا يمكن أن يصبحا موضع اختبار لدى أي حزب.

والأهم أن رعد نفسه قال في المقابلة إنه يريد من رئيس الجمهورية «أن يحكم وفق نص الدستور ووثيقة الوفاق الوطني».

ممتاز.

فلنبدأ من هنا.

لنحتكم إلى الدستور.

ولنحتكم إلى وثيقة الوفاق الوطني.

ولنحتكم إلى المؤسسات التي أنشأهما النظام اللبناني لتتخذ القرار.

وعندها يصبح السؤال بسيطًا جدًا:

إذا اتخذت المؤسسات الدستورية قرارًا لا يوافق عليه حزب الله، هل تبقى «سلطة ذات سيادة»؟

إذا كان الجواب نعم، فعلى الجميع الاحتكام إلى مؤسساتها والعمل السياسي من داخلها.

أما إذا كانت السلطة تصبح سيادية فقط عندما تتوافق قراراتها مع شروط الحزب، فالمشكلة لم تعد في الاستراتيجية الدفاعية.

المشكلة أصبحت في تعريف الدولة نفسها.

محمد رعد لا يحتاج إلى أن يمنح الدولة شهادة سيادة.

الدولة هي التي تمنح الشرعية لمؤسساتها، لا الأحزاب التي تمنح الشرعية للدولة.