يوسف رجّي يعيد لبنان إلى خريطة العالم

ليس عدد اللقاءات التي يعقدها وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي هو الخبر. ولا تكمن أهمية حركته الدبلوماسية في الصور التي تجمعه بنظرائه على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. الخبر الفعلي هو أن لبنان، بعد سنوات من التراجع والعزلة وفقدان المبادرة، يحاول أن يعود دولةً تخاطب العالم بلغة الدولة، وأن يحوّل علاقاته الخارجية من مجرّد اتصالات بروتوكولية إلى أدوات تخدم مصالحه السياسية والأمنية والاقتصادية.
وما يقوم به رجّي في نيويورك يشكّل نموذجًا واضحًا لهذه المقاربة.
فمن الدانمارك إلى ألمانيا وأيرلندا، ومن إيطاليا وقبرص والنروج إلى الفاتيكان وإندونيسيا، وصولًا إلى منظمة فرسان مالطا، يحمل وزير الخارجية الملفات نفسها تقريبًا، لكن ضمن رؤية واحدة: لبنان يريد تثبيت حضوره الدولي، حماية الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، دعم الجيش اللبناني، بسط سلطة الدولة بقواها الشرعية، تثبيت خيار التفاوض، تأمين عودة الأهالي إلى قراهم، وجذب المساعدات والمشاريع التي يحتاج إليها البلد.
والفارق هنا أساسي بين دبلوماسية تكتفي بعرض الأزمات، ودبلوماسية تحاول أن تحصل على نتائج.
ولعلّ المثال الإيطالي هو الأكثر وضوحًا.
في لقائه مع نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني، لم يكتفِ رجّي بعرض الوضع في الجنوب أو المطالبة بموقف سياسي داعم للبنان. طرح بصورة مباشرة مسألة عودة الأهالي إلى قراهم وضرورة توفير مقومات الصمود للقرى التي رفض سكانها مغادرتها.
وكان الجواب عمليًا وفوريًا.
فقد أعلن تاجاني، خلال اللقاء، تخصيص مبلغ مالي إضافي للقرى المسيحية في الجنوب، دعمًا لبقاء أهلها في أرضهم، وتثبيتًا للاستقرار والتنوّع والعيش المشترك.
هذه ليست صورة دبلوماسية ولا بيان مجاملة. إنها نتيجة مباشرة يمكن قياسها: مطلب لبناني طُرح على طاولة الاجتماع، قابله إعلان إيطالي عن مساعدة إضافية.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية أن يكون للبنان وزير خارجية يحمل ملفات محددة إلى العواصم والدول المؤثرة، ويتابعها سياسيًا بدل أن تتحول الدبلوماسية اللبنانية إلى مجرد تسجيل مواقف.
والأمر نفسه ينسحب، وإن بأشكال مختلفة، على ملف مرحلة ما بعد «اليونيفيل»، الذي تحوّل إلى أحد أبرز عناوين تحرك رجّي في نيويورك.
مع نظيره الدانماركي لارس لوكه راسموسن، طلب رجّي دعم الدانمارك، بصفتها عضوًا في مجلس الأمن، لمساعي لبنان الرامية إلى تأمين وجود دولي في الجنوب تحت مظلة الأمم المتحدة بعد انتهاء مهمة القوات الدولية.
ومع وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، طرح الصيغ الممكنة لتفادي الفراغ الذي قد تخلّفه مغادرة «اليونيفيل»، رابطًا استمرار الحضور الدولي بضرورة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته كي يتمكن من بسط سلطة الدولة والقوى الأمنية الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.
والملف نفسه حمله إلى وزيرة الخارجية والدفاع والتجارة الأيرلندية هيلين ماكنتي، مؤكدًا قلق لبنان من الفراغ الذي قد ينشأ في الجنوب وتمسّك الحكومة بوجود دولي بعد انتهاء مهمة قوات حفظ السلام.
إذاً، لا ينتظر لبنان انتهاء «اليونيفيل» ليكتشف المشكلة، بل يحاول منذ الآن بناء شبكة دعم دولية لصيغة اليوم التالي.
وهذا بحد ذاته تحوّل في طريقة العمل الدبلوماسي: الانتقال من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى محاولة استباقها سياسيًا.
لكن حركة رجّي لا تقتصر على الأمن والسياسة.
مع قبرص، كان الربط الكهربائي بين البلدين في صلب المحادثات. ومع النروج، طُرحت الإصلاحات الاقتصادية والمالية وإمكان الاستفادة من الخبرات النروجية لمساعدة الحكومة اللبنانية. ومع إندونيسيا، انتقل اللقاء من البحث في تداعيات أزمة مضيق هرمز والطاقة إلى توقيع اتفاق للإعفاء المتبادل من التأشيرات لحاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة وجوازات الخدمة.
أما مع منظمة فرسان مالطا، فجاءت نتيجة أخرى ملموسة: الإعلان عن قرب افتتاح مركز صحي نموذجي في زوطر الغربية، مع تطلع إلى تعميم التجربة في مناطق أخرى من الجنوب.
حتى الفاتيكان كان حاضرًا في هذه الشبكة الدبلوماسية. ففي لقائه مع أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، أعاد رجّي تثبيت خيار الدولة اللبنانية القائم على التفاوض، فيما أكد الكرسي الرسولي اهتمامه باستقرار لبنان واستعداده للمساهمة في ترسيخه.
ما يجمع كل هذه اللقاءات ليس نيويورك، ولا الجمعية العامة، ولا كثافة جدول المواعيد.
ما يجمعها هو محاولة إعادة تعريف وظيفة السياسة الخارجية اللبنانية.
لسنوات طويلة، كان لبنان حاضرًا في الخارج بوصفه أزمة تحتاج إلى إدارة: انهيار اقتصادي، فراغ سياسي، سلاح خارج سلطة الدولة، حرب، نزوح، ومؤسسات عاجزة عن فرض قرارها.
أما اليوم، فتحاول الخارجية أن تعكس صورة مختلفة: دولة تقول للعالم ماذا تريد، وتطلب دعمًا محددًا، وتربط المساعدة الدولية بتثبيت مؤسساتها الشرعية، وتضع الجيش في قلب أي تصور أمني للمستقبل، وتتمسك بأن يكون قرار الحرب والسلم والسلطة الأمنية في يد الدولة.
وهذا لا يعني أن الأزمات انتهت، ولا أن سلسلة لقاءات دبلوماسية قادرة وحدها على معالجة مشكلات تراكمت على مدى عقود.
لكن السياسة الخارجية لا تُقاس فقط بحجم المشكلات التي تواجهها الدولة، بل بقدرتها على فتح الأبواب أمامها وتحويل علاقاتها الدولية إلى أوراق قوة ومصالح ملموسة.
من هنا تكتسب حركة رجّي معناها.
عندما تطلب بيروت دعمًا للقرى الجنوبية فتحصل على إعلان إيطالي عن مساعدة إضافية، وعندما تبحث مسبقًا مع أعضاء في مجلس الأمن ودول مشاركة في «اليونيفيل» عن صيغة لما بعد القوات الدولية، وعندما تفتح مع قبرص ملف الكهرباء، ومع النروج ملف الإصلاحات، ومع منظمة دولية مشروعًا صحيًا للجنوب، فإن الخارجية لا تكون مجرد شاهد على الأحداث.
إنها تحاول أن تصنع للبنان مكانًا داخلها.
وبعد سنوات كان فيها العالم يتعامل مع لبنان في كثير من الأحيان باعتباره ساحة لأزمات الآخرين، تبدو المهمة التي يقودها رجّي اليوم مختلفة: أن يعود لبنان إلى المجتمع الدولي من بوابة الدولة، وأن يستعيد علاقاته العربية والدولية على قاعدة المصالح اللبنانية، وأن تصبح وزارة الخارجية أداة لاستعادة القرار لا مجرد واجهة له.
لهذا، لا تختصر جولة يوسف رجّي في نيويورك بعدد المصافحات والاجتماعات.
القصة أبعد من ذلك.



