الحكومة بلا أدوات ضغط على الحزب

شارل جبّور
المشكلة الأساسية للحكومة اللبنانية في المرحلة الحالية هي أنها لا تتوسّل أدوات الضغط المطلوبة على “حزب الله” من أجل أن يسلّم سلاحه، بل تقوم بكل ما يوفّر له وسائل الراحة من أجل أن يُبقي على سلاحه. والسؤال الذي يجب أن يُطرح على الحكومة هو: ما هي وسائل الضغط أو أدوات الضغط التي تعتمدها لدفعه إلى نزع سلاحه؟ لا شيء.
ومن البديهي والطبيعي أن يتطبّع الحزب الإيراني في لبنان مع القرارات التي اتخذتها الحكومة بنزع سلاحه وحل تنظيمه العسكري والأمني، وهو يعتبر أنها لن تجرؤ على التنفيذ، وأنه عندما تتبدّل الظروف وتتغيّر، فإن ميزان القوى الجديد كفيل بالعودة عن هذه القرارات. كما يعتبر أن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لن تفضي إلى أي نتيجة، وستبقى تدور ضمن الحلقة المفرغة للسبب نفسه، وهو خشية الدولة من ردود فعله، وهي خشية، طبعًا، في غير محلها إطلاقًا.
وهكذا أصبحنا أمام حكومة لبنانية لا تملك أي أدوات ضغط على الحزب من أجل جرّه إلى التسليم بشروط الدولة، بل تقبع على رصيف الانتظار، بانتظار ما يمكن أن يحصل بين الولايات المتحدة وإيران أو بين إسرائيل و”حزب الله”.
إذا انتقلنا إلى التجربة الأميركية مع إيران، ماذا نجد؟ نجد أن الولايات المتحدة شنّت حربًا واسعة على إيران، وعندما توقفت هذه الحرب على قاعدة الذهاب إلى صفقة، ووجدت واشنطن أن طهران تتنصّل من بنودها وتريد مواصلة مشاريعها التخريبية في المنطقة، مراهنةً على أن الولايات المتحدة لن تعود إلى حرب جديدة، ذهبت إلى اعتماد وسيلة ضغط أخرى، وهي الخنق المالي والاقتصادي.
واشنطن لا تهدف إلى خنق الشعب الإيراني، إنما هدفها خنق النظام، ودفع الشعب الإيراني إلى أن ينتفض على هذا النظام لإسقاطه. ومن يتحمل مسؤولية الخنق المالي والاقتصادي هي إيران بسبب سياساتها التخريبية ومشاريعها التوسعية والإرهابية. لذلك ذهبت الولايات المتحدة إلى محاصرة إيران وخنقها ماليًا واقتصاديًا، إما لإلزامها على الاستسلام والتسليم بالشروط الأميركية والدولية، وإما إسقاط النظام من الداخل من خلال ثورة شعبية، وإما إسقاطه بحرب جديدة.
وإذا حاولنا إسقاط هذا الواقع على لبنان، ماذا نجد؟ نجد أن الحكومة اللبنانية تدفّع اللبنانيين، الذين يعيشون وسط الحصار والأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تسبّب بها ويتسبب بها “حزب الله”، الضرائب، بسبب اقتطاعها من موازنتها الأموال لمن هجّرهم الحزب. فهل يعقل ذلك؟ الحكومة تقوم، وهي مفلسة، بزيادة أعبائها وتحميل الشعب اللبناني أعباء إضافية من أجل مساعدة من هجّرهم الحزب، وإعفائهم من الضرائب والرسوم، في الوقت الذي كان عليها أن تقول: أنا لا أستطيع أن أفعل أي شيء، ومن هجّركم عليه أن يتدبّر أمركم.
ولو رفضت الحكومة إعفاءهم من الضرائب والرسوم، ورفضت تحميل اللبنانيين أعباء هذا التهجير وهذا الدمار، لكانت منسجمة مع نفسها، ليس فقط كونها دولة مفلسة، بل لأن من قام بالحرب عليه أن يتحمّل كامل المسؤولية، وليس ترييحه من هذه المسؤولية، والأسوأ من ذلك أنه غير ممتنّ بما تقوم به الحكومة بالنيابة عنه، بل يخونها على مدار الساعة.
على الحكومة اللبنانية أن تفكر جديًا بالتخلي عن سياسة الانتظار، والتفكير في كيفية خنق “حزب الله” إذا كانت لا تريد أن تذهب إلى مواجهة عسكرية معه. وعليها أن تفكر في وسائل الضغط التي عليها استخدامها ماليًا واقتصاديًا واجتماعيًا ودبلوماسيًا وسياسيًا، من أجل دفعه إما إلى الاستسلام، وإما إلى مواجهة الحكومة عسكريًا، فيكون قد قضى بذلك على نفسه.
وبالتوازي مع الخنق المالي والاقتصادي، فإن الخطوات التي بإمكان الحكومة الإقدام عليها هي إقصاء كل من يمتّ له بصلة في الدولة، أي باستبعاد كل من يمتّ له بصلة داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية، وصولًا إلى رفض تقديم أي مساعدات، وأن تخاطب بيئة الحزب قائلةً: من قام بالحرب كان يعلم أن الدولة مفلسة، وعلى رغم ذلك قام بما قام به من دون أن يسأل ولا يأبه، وعليه أن يتحمل هو المسؤولية، ولا نستطيع تحميل اللبنانيين الذين يتحملون بسببه هذه المآسي مسؤولية الدفع من جيوبهم مرتبات ما قام به الحزب الإيراني.
وبالتالي، المطلوب وبإلحاح تام أن تتخلى الدولة عن سياستها الانتظارية الفاشلة، وأن تمارس أدوات الضغط المطلوبة على الحزب الإيراني الذي يعيش اليوم في النعيم ولا يكترث لأي شيء، كونه تطبّع مع هذا الواقع، ويعتبر أن قرارات الحكومة لن تنفّذ، وأن المفاوضات ستتوقف أو لن تقود إلى أي شيء.
وطالما أن الحكومة لا تريد أن تنفّذ قراراتها عسكريًا، فهي مطالبة بالعمل على ثلاثة مسارات أساسية للضغط على الحزب الإيراني في لبنان:
المسار الدبلوماسي: بهدف الوصول إلى السلام مع إسرائيل.
المسار المالي والاقتصادي: بوقف المساعدات التي ترهقها وترهق الشعب اللبناني، وإحالة الأهالي إلى من قام بالحرب ويرفض تسليم سلاحه رغم هزيمته.
المسار التطهيري: باستبعاد كل المسؤولين المرتبطين بالحزب، أي أن تقصي وتستبعد كل من له علاقة به.
هكذا تكون آليات الضغط واضحة من أجل دفعه إلى التسليم بشروط الدولة، وبالتالي بحل تنظيمه العسكري والأمني، أو إلى مواجهة الدولة، فيكون هو من بادر إليها، فتنقض عليه الدولة نهائيًا.



