ضمانة لبنان بشراكتين

شارل جبّور
في قراءة هادئة لتاريخ لبنان الحديث، يصعب تجاهل حقيقة أساسية: كلما نجح مشروع إقليمي توسّعي في اختراق لبنان من خلال بيئة لبنانية حاضنة أو مؤيدة له، كانت النتيجة واحدة: إضعاف الدولة، تعطيل مؤسساتها، تحويلها إلى ساحة صراع، واستخدام أرضها في مواجهة إسرائيل.
مرّ لبنان خلال العقود الماضية بثلاثة مشاريع إقليمية كبرى: المشروع الفلسطيني، والمشروع السوري الأسدي، والمشروع الإيراني. اختلفت الأدوات والمراحل والشعارات، لكن النتيجة اللبنانية كانت متشابهة: إضعاف الدولة وإلحاق القرار اللبناني بالمشروع الإقليمي، بحيث يصبح لبنان منصةً لهذا المشروع.
فالمعادلة التي طبعت الواقع اللبناني منذ ستة عقود يمكن اختصارها بالتالي: كلما جرى إسقاط الدولة أو إضعافها، جرى استخدام لبنان في استهداف إسرائيل.
فلم يكن هدف السيطرة على لبنان منفصلًا عن الصراع مع إسرائيل، بل أصبح لبنان، في مراحل مختلفة، جزءًا من الطريق إلى هذا الصراع. ولذلك تحولت الدولة اللبنانية نفسها إلى العقبة التي ينبغي تجاوزها، لأن وجود دولة قوية وقادرة على ضبط حدودها وقرارها وسلاحها يعني أن لبنان لا يستطيع أن يكون منصةً للمشاريع الإقليمية التوسعية.
وهذه الخلاصة التاريخية تقود إلى سؤال مختلف اليوم: إذا كانت إسرائيل قد واجهت، عبر عقود، مشاريع عابرة للحدود انطلقت من لبنان أو استخدمت أراضيه، أليس من مصلحتها أن يكون لبنان دولة قوية وقادرة على ضبط أرضها، بدل أن يكون دولة ضعيفة تترك فراغًا تستوطنه المشاريع الإقليمية؟ويفترض أن تستخلص إسرائيل الدروس من تجاربها التاريخية، بدءًا من تراجع قدرة الدولة اللبنانية على ضبط الحدود منذ أواخر الستينات، وما رافق ذلك من تآكل عملي لمنظومة الهدنة وفتح المجال أمام العمل المسلح من الأراضي اللبنانية، وصولًا إلى تجربتها مع اجتياح عام 1982 وعدم استكمال ما بدأته، ثم انسحابها من جنوب لبنان عام 2000.
فقد انسحبت إسرائيل عام 2000 في سياق تنفيذ القرار 425، وأعلنت الأمم المتحدة في ذلك العام أن إسرائيل نفذت متطلبات القرار وانسحبت إلى الخط الذي عُرف لاحقًا بالـ”الخط الأزرق”. لكن الصراع لم ينتهِ. فبدل أن يتحول الانسحاب إلى فرصة لاستعادة الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على الجنوب، استمر وجود السلاح الإيراني، واستمر استخدام الأسد وإيران للحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية في إطار الصراع الإقليمي.
ثم جاءت حرب عام 2006، وانتهت بقرار مجلس الأمن 1701 الذي دعا إلى وقف الأعمال العدائية، وإلى انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل في الجنوب بالتوازي مع انسحاب القوات الإسرائيلية، وشدد على بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، بحيث لا يكون هناك سلاح أو سلطة خارج قرارها.
ولم تؤدِّ هذه التجربة بدورها إلى إقفال الصراع، بل بقيت الدولة اللبنانية عاجزة عن الإمساك الكامل بقرار الحرب والسلم، وأعاد “حزب الله” بناء ترسانته العسكرية، ولم يطبّق القرار الدولي، ولا بل ذهبت تل أبيب إلى الرهان على قواعد اشتباك مع هذا الحزب الذي أسقطها بنفسه عندما أعلن الحرب إسنادًا لغزة.
وفي كل هذه التجارب اصطدمت إسرائيل، كما اصطدم لبنان، بالحائط المسدود نفسه: غياب الدولة اللبنانية القادرة على ضبط أرضها وحدودها وقرارها. والدرس الذي يجب استخلاصه واحد: المشاريع الإقليمية التوسعية تحتاج إلى دولة لبنانية ضعيفة ومشلولة، من أجل السيطرة على لبنان وإلحاقه بمشروعها من جهة، واستخدام لبنان منصةً لاستهداف إسرائيل من جهة أخرى.
وأي تفكير بالمستقبل يجب أن ينطلق من معادلات جديدة، لا من العودة إلى المعادلات نفسها التي أوصلت لبنان إلى هذا الواقع. لبنان يحتاج إلى دولة قوية تمنع المشاريع التوسعية من السيطرة على أرضه. وبما أن الواقع اللبناني أثبت، على مدى عقود، هشاشة الدولة أمام المشاريع الإقليمية، فإن ما يجب التفكير فيه جديًا هو قيام شراكتين يمكن أن تشكلا جزءًا من معادلة الاستقرار اللبناني: شراكة أمنية مع إسرائيل، وشراكة اقتصادية وسياسية مع دول الخليج.
الشراكة مع إسرائيل، إذا وصلت إليها لبنان يومًا، لا ينبغي أن تُفهم بوصفها انتقالًا من محور إلى محور، ولا بوصفها تخليًا عن السيادة اللبنانية، بل بوصفها مصلحة مشتركة لبنانية وإسرائيلية: لبنان يحمي سيادته واستقراره، وإسرائيل تحمي حدودها، لأن استقرار لبنان وضبط حدوده يصبّان في استقرار الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية. وهي، في الوقت نفسه، محاولة لإغلاق الباب أمام تحويل الأراضي اللبنانية مرة جديدة إلى منصة لصراعات الآخرين ومشاريعهم التخريبية والتوسعية.
المعادلة المفترضة بسيطة: لبنان المستقر هو مصلحة لبنانية، وهو مصلحة إسرائيلية في الوقت نفسه؛ لأن الدولة اللبنانية القوية والقادرة على ضبط حدودها وأرضها تمنع قيام بنية مسلحة تستخدم لبنان لاستهداف إسرائيل.
وهذا يختلف جذريًا عن المعادلة التي حكمت لبنان لعقود: لبنان ضعيف، الدولة عاجزة، والسلاح خارجها. والتجربة أثبتت أن هذه المعادلة لم تحمِ لبنان، ولم تُنهِ الصراع، ولم تمنع تحوّل أرضه إلى ساحة للمواجهة.
أما الشراكة الثانية، فهي مع دول الخليج. فلبنان عرف تاريخيًا علاقة مختلفة مع الخليج: علاقات اقتصادية واستثمارية وسياحية ومالية، واحتضان للبنانيين الذين عملوا في دول الخليج، ومساهمات في الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار. ولم تقم هذه العلاقة على مشروع لإلحاق لبنان بدولة خليجية أو تحويله إلى ساحة مواجهة مع دولة أخرى، بل شكلت دول الخليج تاريخيًا داعمًا أساسيًا للبنان ورافعة للاقتصاد اللبناني.
وفي الوقت الذي يكون فيه الخليج شريكًا في إعادة بناء الاقتصاد اللبناني، يمكن أن تكون إسرائيل شريكًا في حماية الحدود والاستقرار ومنع تكرار تجربة تحويل لبنان إلى منصة للمشاريع العابرة للحدود.
ولا يعني ذلك أن الشراكتين بديل عن الدولة. على العكس تمامًا. الشراكتان تصبحان بلا معنى إذا لم تكن هناك دولة لبنانية قوية. فلا يمكن لإسرائيل أن تكون بديلًا عن الجيش اللبناني، ولا يمكن للخليج أن يكون بديلًا عن الاقتصاد اللبناني، ولا يمكن لأي طرف خارجي أن يحل محل الدولة. المطلوب هو دولة لبنانية تمتلك قرارها، وتضبط حدودها، وتحصر السلاح بيد مؤسساتها، ثم تبني شبكة علاقات إقليمية ودولية تخدم مصالحها بدل أن تجعلها رهينة لهذه العلاقات.
لبنان لا يستطيع أن يعيش بعد اليوم على قاعدة العداء الدائم، ولا على قاعدة الحياد الوهمي، ولا على قاعدة الارتهان لمحور. لبنان يحتاج إلى معادلة أكثر واقعية: دولة قوية في الداخل، شراكة أمنية تمنع إسقاط الدولة، وشراكة اقتصادية تحمي الاستقرار وتعيد بناء الازدهار.
شراكة مع إسرائيل، إذا أصبحت ممكنة ومبنية على اتفاق واضح يحمي السيادة والمصالح اللبنانية، ويمنع استخدام لبنان مجددًا منصةً للمشاريع الإقليمية لاستهداف إسرائيل؛ وشراكة مع الخليج تعيد الاستقرار الاقتصادي وتصل لبنان ببيئته العربية الاقتصادية الطبيعية.
فهل يستطيع لبنان أن ينتقل من وظيفة الساحة إلى وظيفة الدولة؟ وهل يستطيع أن يحوّل موقعه الجغرافي، الذي كان لعقود مصدرًا للمآسي، إلى مصدر قوة؟ وهل يمكن أن يصبح لبنان، بدل أن يكون ساحةً لصراعات المحاور، دولةً ترتبط بشراكات تحمي استقرارها وتفتح أمامها طريق النهوض، بعيدًا عن العقد والعقائد وأيديولوجيات الموت، وعن المشاريع البعثية والقومية والعروبية والشيوعية التي حوّلت لبنان، كلٌّ في مرحلته، إلى جزء من صراعات تتجاوز حدوده ومصالحه؟



