الثقة تتجدد في بيروت… وباريس تضع الجيش في واجهة المرحلة

دعم الجيش اللبناني في مؤتمر باريس بعد تجديد مجلس النواب الثقة بحكومة نواف سلام
الموجز الإعلامي اليومي 17 أيلول 2026

تنتقل الأولوية اللبنانية اليوم من تجديد الثقة بالحكومة في مجلس النواب إلى مؤتمر باريس المخصص لدعم الجيش والقوى الأمنية. فقد أنهت حكومة نواف سلام يومين من المناقشات النيابية بحصولها على 68 صوتاً مقابل 12 لحجب الثقة وامتناع نائبين، فيما غادر نواب كتلة «الوفاء للمقاومة» قبل التصويت.

وفي الخارج، لم ينتج لقاء سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن اختراقاً معلناً، لكنه أبقى قناة التفاوض مفتوحة قبل الجولة الموسعة المرتقبة في روما خلال تشرين الأول. بالتوازي، يطرح الرئيس جوزاف عون مقاربة «خطوة خطوة»: انسحاب إسرائيلي، انتشار الجيش، عودة الأهالي ومعالجة ملف الأسرى، بالتزامن مع حصر السلاح بيد الدولة ومن دون صدام داخلي.

الثقة بالحكومة تتجدد للمرة الثالثة

انتهت جلسة المناقشة العامة إلى تجديد مجلس النواب ثقته بالحكومة.

صوّت 68 نائباً مع الثقة، و12 ضدها، وامتنع نائبان. كما خرج نواب «الوفاء للمقاومة» من القاعة قبل التصويت، بينما منحت كتلة «التنمية والتحرير» الحكومة الثقة.

هذه النتيجة حسمت جانباً واحداً فقط: الحكومة مستمرة.

أما الخلافات التي ظهرت خلال اليومين فلم تُحسم. فقد تركزت المداخلات بصورة خاصة على السلاح، اتفاق الإطار، الحرب، أداء المؤسسات، الاقتصاد والخدمات.

السجالات طغت على المساءلة

شهد اليوم الثاني سجالات مرتفعة النبرة بين عدد من النواب، ولا سيما بين نواب الحزب الإيراني وخصومهم السياسيين.

وتدخل رئيس مجلس النواب نبيه بري أكثر من مرة لوقف الاشتباكات الكلامية وإعادة الجلسة إلى مسارها.

وبعيداً عن توصيفات الصحف المختلفة، أظهرت الجلسة حجم الانقسام السياسي من دون أن تنتج تغييراً في التوازن النيابي الذي يحمي الحكومة.

سلام يتمسك بالتفاوض وحصرية قرار الدولة

في رده الختامي، أكد رئيس الحكومة أن «الإطار الثلاثي» إطار سياسي للمفاوضات وليس اتفاقاً أو معاهدة بالمعنى القانوني.

وقال سلام إن النتائج المرجوة من المفاوضات لم تتحقق بعد، لكنها لم تنتهِ أيضاً. كما ربط تقوية موقف لبنان بتعزيز الجيش وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، ورفض أن يدخل لبنان مجدداً في حروب لم يقررها.

وعاد سلام إلى موقف حكومته القائل بأن الدولة هي المرجعية في قرار الحرب والسلم والتفاوض.

هذا الموقف بقي موضع اعتراض من نواب الحزب الإيراني ومن قوى أخرى تنتقد اتفاق الإطار أو أسلوب إدارة المفاوضات.

أرقام المساعدات تدخل السجال الحكومي

رد سلام أيضاً على الانتقادات المتعلقة باستجابة الدولة الاجتماعية خلال الحرب.

وقال إن أكثر من 200 ألف أسرة حصلت على تحويلات نقدية بقيمة 52 مليون دولار، فيما استمر برنامج «أمان» في مساعدة نحو 107 آلاف أسرة من الأكثر فقراً وهشاشة.

وأقر في الوقت نفسه بأن هذه المساعدات لم تكن كافية قياساً إلى حجم الاحتياجات.

هذه الأرقام لا تحسم النقاش حول كفاءة الاستجابة، لكنها توفر معياراً أكثر وضوحاً لتقييم ما قامت به الحكومة بدلاً من الاكتفاء بالسجال السياسي.

باريس تصبح المحطة الرئيسية اليوم

مع انتهاء المواجهة النيابية، انتقلت الأنظار إلى باريس.

وصل الرئيس عون إلى فرنسا للمشاركة في الاجتماع التحضيري لدعم الجيش والقوى الأمنية. ويشارك في التحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والملك الأردني عبدالله الثاني، إلى جانب قائد الجيش العماد رودولف هيكل وممثلين دوليين.

الاجتماع الحالي تحضيري وليس مؤتمراً نهائياً لجمع الأموال أو تسليم المعدات.

والهدف هو وضع تصور تفصيلي لحاجات الجيش، مع مشاركة أميركية وسعودية واهتمام فرنسي بالحفاظ على دور دولي داعم للبنان.

لماذا أصبح دعم الجيش مركزياً؟

تتقاطع معظم المسارات السياسية عند المؤسسة العسكرية.

المفاوضات تتحدث عن انتشار الجيش في المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل.

الدولة تريد توسيع سلطتها في الجنوب.

ومرحلة ما بعد «اليونيفيل» قد تضع أعباء إضافية على الجيش إذا انتهت مهمة القوة الدولية في نهاية السنة.

لذلك، يرى عون أن بناء الدولة يتطلب تقوية الجيش والأجهزة، فيما يربط عملية حصر السلاح بزيادة قدرات المؤسسة وبالظروف السياسية التي تمنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية.

عون يطرح «خطوة خطوة»

برز قبل مؤتمر باريس موقف جديد لعون حول العلاقة المستقبلية مع إسرائيل.

قال الرئيس إن لبنان يسعى أولاً إلى اتفاق أمني ينهي حالة العداء. ويمكن لهذا الاتفاق، إذا نجح وتوافرت الظروف السياسية، أن يفتح لاحقاً مساراً مختلفاً، لكنه شدد على أنه لا يمكن الانتقال مباشرة إلى اتفاق سلام.

ووضع عون مجموعة خطوات تسبق أي انتقال إلى مرحلة لاحقة:

انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية.

انتشار الجيش.

عودة الأهالي.

معالجة ملف الأسرى.

وقف الاعتداءات.

هذه المقاربة تختلف عن الحديث عن تسوية شاملة سريعة.

هي مسار تدريجي يبدأ بالأمن والسيادة على الأرض.

حصرية السلاح من دون صدام داخلي

ربط عون المسار الخارجي أيضاً بالملف الداخلي.

فهو جدد موقفه الداعي إلى حصر السلاح بيد الدولة، لكنه قال إن تحقيق ذلك لا يجب أن يؤدي إلى صدام داخلي بين اللبنانيين.

هذا يضع المؤسسة العسكرية أمام معادلة دقيقة:

أن تتوسع سلطة الدولة، وفي الوقت نفسه أن يجري الانتقال بطريقة تحافظ على الاستقرار الداخلي.

وستكون طبيعة الدعم الذي يخرج من باريس مؤشراً إلى مدى استعداد الشركاء الدوليين لمساندة هذا المسار عملياً.

واشنطن أبقت قناة التفاوض مفتوحة

قبل باريس، انعقد في وزارة الخارجية الأميركية اللقاء بين سفيرة لبنان ندى حمادة معوض والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر.

وفق المعلومات الواردة في التقرير، لم ينتج اللقاء اختراقاً معلناً. وتركز هدفه على استمرار التفاوض وترتيب جدول الأعمال، وسط اختلاف في الأولويات: لبنان يركز على وقف العمليات والانسحاب، فيما تربط إسرائيل خطواتها بالتقدم في ملف السلاح وانتشار الدولة.

إذن، اللقاء حافظ على المسار، لكنه لم يقدم حتى الآن حلاً للمشكلات الأساسية.

روما في تشرين الأول

تتجه الجولة الموسعة المقبلة إلى روما خلال تشرين الأول بعد تأجيل الجولة التي كانت مقررة في أيلول.

وبذلك يصبح أيلول شهر إعداد أكثر منه شهر حسم.

واشنطن تبقي الاتصال مفتوحاً.

باريس تركز على الجيش.

أما روما، فستكون المحطة التي يُنتظر أن تعود فيها الملفات السياسية والأمنية إلى طاولة أوسع.

علي الطاهر ما زالت جزءاً من المعادلة

رغم الحديث عن احتمال انسحاب أو إعادة انتشار، لا يقدم تقرير اليوم دليلاً لبنانياً رسمياً على تسليم كامل منطقة علي الطاهر إلى الجيش.

بل ما زال دخول الجيش اللبناني إلى المنطقة قيد البحث الرسمي.

لذلك، الأفضل عدم التعامل مع ملف التلة باعتباره منتهياً.

المفاوضات ما زالت تبحث كيفية الانتقال من الوجود الإسرائيلي إلى انتشار الجيش.

ما بعد اليونيفيل يدخل مؤتمر باريس

يحضر مستقبل «اليونيفيل» بقوة في النقاش الفرنسي–اللبناني.

وتخشى باريس وبيروت من فراغ أمني إذا انتهت المهمة في 31 كانون الأول من دون ترتيب بديل، خصوصاً مع استمرار الاحتلال والنزوح والعمليات العسكرية.

لهذا يبحث لبنان في خيارين متوازيين:

تقوية الجيش.

والحفاظ على مظلة دولية انتقالية تساعده ولا تحل محله.

بعثة أوروبية لثلاث سنوات

يتضمن تقرير اليوم أيضاً مقترحاً أوروبياً لإنشاء بعثة مدنية–عسكرية لمدة ثلاث سنوات لدعم مؤسسات الدولة والجيش وقوى الأمن.

تركز البعثة المقترحة على التدريب، المشورة وبناء القدرات في مجالات الحدود والقوات المتنقلة والدرك والاستخبارات والأمن البحري.

كما يؤكد المقترح أنها ليست بديلاً عن «اليونيفيل»، ولا تزال تفاصيل حجمها وميزانيتها وهيكليتها غير محسومة.

ويشير التقرير إلى تحفظ الحزب الإيراني على أي وجود أمني دولي جنوباً خارج إطار الأمم المتحدة والقرار 1701.

إذن، المشروع ما زال اقتراحاً قيد البحث وليس بعثة مقررة نهائياً.

المرفأ… عون يلجأ إلى القضاء

بعد التسريبات حول مطالعة النيابة العامة في ملف انفجار المرفأ، أعلن الرئيس السابق ميشال عون تقديم شكوى جزائية بجرائم تتعلق باختلاق أخبار والافتراء وإفشاء سرية التحقيق.

وتأتي الخطوة بعد تداول معلومات صحافية عن طلب النيابة توجيه اتهام إليه بالإهمال.

من المهم هنا الفصل بين المستويات المختلفة:

هناك مطالعة نيابة عامة.

هناك تسريبات صحافية حول مضمونها.

وهناك شكوى قضائية قدمها عون اعتراضاً على طريقة نشر هذه المعلومات.

حتى الآن، لا يوجد حكم نهائي يثبت المسؤولية الجنائية لأي طرف في هذا الجانب من الملف.

الاقتصاد يعود عبر صندوق النقد والبنك الدولي

بالتزامن مع المؤتمر الأمني والسياسي، تستمر المحادثات الاقتصادية.

يشير التقرير إلى اجتماعات بين الفريق المالي اللبناني وبعثة صندوق النقد الدولي، فيما التقى وفد من البنك الدولي إدارة مصرف الإسكان وبحث معها آليات تمويل مستدامة لذوي الدخل المحدود والمتوسط.

وهذا يذكر بأن استعادة الدولة لا ترتبط بالجنوب وحده.

فأي استقرار طويل الأمد يحتاج أيضاً إلى قطاع مصرفي قابل للإصلاح، تمويل للسكن، استثمار، واستعادة الحد الأدنى من الثقة الاقتصادية.

خلاصة المشهد

يوم 17 أيلول يرسم انتقالاً واضحاً من الداخل إلى الخارج.

في بيروت، حسم مجلس النواب مسألة استمرار الحكومة ومنحها 68 صوتاً.

في واشنطن، بقيت قناة التفاوض مفتوحة من دون اختراق كبير.

وفي باريس، يبدأ الاختبار الأصعب: هل يستطيع المجتمع الدولي تحويل دعمه السياسي للدولة إلى قدرات فعلية للجيش؟

في الوقت نفسه، يرسم عون للمرة الأولى بهذا الوضوح تسلسلاً للمرحلة المقبلة:

انسحاب، انتشار الجيش، عودة الأهالي، معالجة الأسرى، ثم اتفاق أمني ينهي حالة العداء.

أما ملف السلاح، فيضعه الرئيس ضمن مسار حصرية الدولة لكن من دون صدام داخلي.

بهذا المعنى، لا يحمل 17 أيلول اتفاقاً نهائياً أو تسوية جاهزة.

لكنه يجمع عناصر المرحلة المقبلة في إطار واحد:

حكومة حصلت على ثقة جديدة، جيش يبحث عن قدرات أكبر، مفاوضات مستمرة، ومشروع أمني يحتاج إلى تحويله من أفكار إلى خطوات قابلة للقياس.