الأباتي نعمان وكنيسة الدفاع عن الحرية

شارل جبّور
برحيل الأباتي بولس نعمان، تطوي الرهبانية اللبنانية المارونية، ومعها الكنيسة في لبنان، صفحة من صفحاتها المجيدة في الدفاع عن قدسية الإنسان في لبنان، أي الإنسان الحر في وطن تعددي ومحايد ومستقر ومزدهر.
لقد دخل الأباتي نعمان الوجدان المسيحي، وهذه مرتبة لم يبلغها إلا قلّة من الآباء والبطاركة والأساقفة الذين تركوا أثرًا عميقًا في وجدان مجتمعهم. دخل هذا الوجدان لأنه عرف مكامن وجع الناس، وناضل إلى جانبهم، ووقف معهم، وتصدّر الصفوف ونزل إلى الميدان، وأدرك مبكرًا مدى خطورة خسارة القضية، وانشقاق الصفوف، وانتصار الأعداء، وضرورة المواجهة حفاظًا على الذات والوجود والحرية.
كان يعرف معنى أن تخسر المقاومة اللبنانية، وما يعنيه ذلك بالنسبة إلى المسيحية المشرقية برمّتها إذا أُخضعت المسيحية اللبنانية ورضخت، وتحوّل لبنان من موئل للحريات إلى وطن مستعبد ومحتل ومسيطر عليه. ولذلك لعب الدور الذي كان مطلوبًا منه أن يلعبه، ودفع ثمن مواقفه لاحقًا، لأنه كان رأس حربة في الدفاع عن الوجود وعن القضية وعن الذات.
لكن لا بد هنا من التمييز بين أمرين أساسيين. فنحن لا نوافق الذين ينتقدون الكنيسة أو يستهدفونها، لأننا نؤمن بأن المجتمعات لا تقوم صدفة، بل تستند إلى مرتكزات أساسية تحفظ تماسكها واستمراريتها. والكنيسة أحد هذه المرتكزات، إلى جانب الدولة والأحزاب والعائلة والقيم والأخلاق والدور الإنساني في المجتمع. ومن هنا، فإن استهداف هذه المرتكزات هو استهداف للمجتمع نفسه.
لكن الإيمان بدور الكنيسة وضرورة الحفاظ عليها لا يعني أن نتوقف عن التعبير عن النموذج الذي نريده لها. لقد دخل قلّة من الآباء والرهبان والبطاركة والأساقفة الوجدان المسيحي، وكان الأباتي بولس نعمان واحدًا منهم، إلى جانب الأباتي شربل قسيس، وكثر ممن كانت أدوارهم في الظل، يصلّون من أجل المقاومين، ويدافعون عن الحرية ويصونون كرامة الإنسان.
وفي مقدّم هؤلاء البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، الذي فهم وأدرك باكرًا معنى الاحتلال الأسدي للبنان، ومعنى ضرب المقاومة اللبنانية، ومعنى السيطرة الخارجية على لبنان، ومعنى الوجود المسيحي الحر. ولذلك لم يكتفِ البطريرك صفير بالموقف الروحي، بل رعى، في سابقة فريدة من نوعها، لقاءً مسيحيًا سياسيًا هو لقاء قرنة شهوان، وأرسل إليه المطران يوسف بشارة لكي يترجم الثوابت الكنسية التي آمن بها وأعلنها في مثل هذه الأيام من العام 2000. وعندما طلبت منه هيئة سياسية مدعومة من نظام الأسد أن يرسل إليها مطرانًا أيضًا، جاء جوابه واضحاً: “تمسّكوا بهذه الثوابت والمبادئ والمسلّمات من أجل أن أرسل لكم مطراناً”، فهربوا عائدين من حيث أتوا.
كان البطريرك صفير يدرك أن الكنيسة لا تستطيع أن تكون قوية إذا كان المجتمع الذي تحتضنه ضعيفاً، ولا أن تكون حرة إذا كان لبنان خاضعًا، ولا أن تحافظ على وجودها إذا هاجر المسيحيون وغادروا أو أُخضعوا ودُمّر مجتمعهم.
ومن هذا المنطلق، ولو بطريقة غير مباشرة، أنصف البطريرك صفير الأباتي بولس نعمان لاحقًا، من خلال المسار الذي قاده لقاء قرنة شهوان، وتحوّلت بكركي إلى رأس حربة من أجل إخراج جيش الأسد من لبنان. وهذا تحديدًا ما فعله الأباتي نعمان، الذي رفض أن يترك شعبه يموت ويُهجّر، فتصدّر الصفوف دفاعاً عن القضية.
نحن نريد الكنيسة في لبنان كنيسة الأباتي بولس نعمان، وكنيسة الأباتي شربل قسيس، وكنيسة البطريرك صفير. نريدها كنيسة إلى جانب بيئتها، تحمل هموم ناسها، وتتمسك بالثوابت والمسلّمات والمبادئ، لأن الكنيسة ليست فقط مؤسسة روحية منفصلة عن مجتمعها، بل هي أحد المرتكزات الثقافية والاجتماعية والدينية والروحية التي حافظت على هذا المجتمع عبر القرون.
ونعود هنا لنؤكد أننا سنحافظ على هذا المرتكز، مهما اختلفنا مع بعض المواقف أو الأدوار التي ترسمها روما للكنيسة في لبنان، لأننا ننطلق من مبدأ أن “مسيحيو لبنان أدرى بشعابهم”. لكننا نفضّل أن تكون الكنيسة على صورة الأباتي نعمان، وعلى صورة الأباتي قسيس، وعلى صورة البطريرك صفير: كنيسة متمسكة بالثوابت، لأن حماية المجتمع وحريته ووجوده هي، في نهاية المطاف، حماية للكنيسة والرهبانيات نفسها.
فأي كنيسة وأي رهبانيات ستبقى إذا أصبح لبنان ملحقًا بالأسد وإيران ومشاريع الموت والحروب والفوضى؟ وأي كنيسة وأي رهبانيات ستبقى إذا هاجر المجتمع المسيحي وغادر، أو أُخضع ودُمّر؟ قوة الكنيسة وقوة الرهبانيات من قوة المجتمع، وقوة الأحزاب الفاعلة داخله. وإذا دُمّر هذا المجتمع، وأُخضع، وانتقل لبنان من مساحة الحرية إلى مساحة العبودية، فماذا يبقى من الكنيسة؟ وماذا يبقى من الرهبانيات؟
من هنا، المطلوب أن تكون الكنيسة والرهبانيات على صورة الذين يرفعون راية الحرية ويدافعون عنها. وعندما نتحدث عن دور الكنيسة في السياسة، فإن المقصود ليس أن تدخل الكنيسة في يوميات السياسة وتفاصيلها، بل أن تحمل السياسة بمعناها الأسمى: الثوابت والمسلّمات والمبادئ، كما أكّد المجمع البطريركي الماروني في الفصل المتعلق بالكنيسة والسياسة.
فالمسيحية في لبنان لا يمكن أن تقوى وتستمر إلا بكنيسة قوية تعرف هموم شعبها وناسها، وأحزاب تتمسّك بالثوابت والمبادئ ولا تنزلق إلى المنافع والمصالح، على غرار من وقّع وثيقة التفاهم مع الحزب الإيراني في لبنان، ومجتمع متماسك يدرك أن قوته من قوة الكنيسة والأحزاب، وكنيسة تدرك بدورها أن استمراريتها مشروطة باستمرارية مجتمع قوي وحر وأحزاب فاعلة.
هذه هي المعادلة التي جسّدها الأباتي بولس نعمان في مسيرته. رحم الله الأباتي نعمان. ستبقى ذكراه محفورة في وجدان المسيحيين، لا فقط لما كان عليه من موقع ديني، بل لمسيرته ونضاله ودوره في الدفاع عن لبنان، وعن الحرية، وعن الوجود، وعن القضية.



