الانتخابات ليست تفصيلًا: من يغيّر ميزان القوى يغيّر لبنان

هناك من لا يعطي، للأسف، الانتخابات النيابية في لبنان الوزن الذي تستحقه، ولا يدرك حجم التغيير الذي يمكن أن تحدثه. والسبب أن البعض يئس من الواقع الذي فرضه الحزب الإيراني في لبنان ومحور الممانعة، ووصل إلى قناعة خاطئة مفادها أن التغيير غير ممكن، وأن قدر اللبنانيين هو أن يبقى لبنان ساحة وأن يستمر محور الممانعة في التحكم بمساره.

وهذا اليأس، بحدّ ذاته، أخطر من الواقع السياسي القائم، لأنه يحوّل الاستسلام إلى قدر، ويجعل اللبناني يتعامل مع الأمر الواقع وكأنه غير قابل للتغيير.

لكن الوقائع أثبتت العكس. فلا تغيير حقيقيًا في لبنان يمكن أن يحصل من الخارج وحده، ولا من الداخل وحده، بل من خلال تقاطُع الداخل مع التحولات الخارجية. الخارج يمكن أن يفتح فرصًا تاريخية من خلال تحولات كبرى ونوعية، لكن إذا لم يكن الداخل جاهزًا لالتقاط هذه الفرص، تضيع.

وهنا تكمن أهمية الانتخابات النيابية الأخيرة. فالانتخابات التي جرت عام 2022، وفق القانون الانتخابي الحالي، أفرزت توازنًا نيابيًا جديدًا. وقد يكون هذا القانون غير مثالٍ، لكنه أنتج أفضل توازن كان ممكنًا في ظل الظروف القائمة. وهذا التوازن لم يكن تفصيلًا، بل كان عاملًا أساسيًا في منع محور الممانعة من الإمساك الكامل بالقرار السياسي.

فلولا هذا التوازن، لما وصلنا إلى انتخاب رئيس الجمهورية الحالي وتشكيل الحكومة الحالية بالطريقة التي حصلت بها الأمور، ولما كانت مفاوضات مباشرة ممكنة، ولما اتخذت الحكومة قرارات تتعلق بحصر السلاح بالقوى الشرعية وإنهاء الازدواجية العسكرية والأمنية. ولولا ميزان القوى داخل المجلس النيابي، لما أمكن أيضًا إقرار قانون العفو.

هذه وقائع لا يجوز تجاهلها، لأنها تؤكد أن الصوت الانتخابي قادر على صناعة فارق سياسي فعلي. صحيح أن ما تحقق حتى اليوم لا يزال غير كافٍ، وأن لبنان يحتاج إلى خطوات أكبر وأسرع، لكن لو كان المشهد النيابي مختلفًا، لكان من الصعب جدًا تحقيق ما تحقق، ولكان البلد لا يزال أسير المعادلات القديمة.

من هنا، فإن الانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق دستوري، ولا مناسبة لتجديد الوجوه أو تبديل بعض المقاعد. إنها معركة على ميزان القوى، وعلى اتجاه لبنان، وعلى قدرته على استعادة قراره الوطني والسيادي.

وعلى اللبناني أن يدرك أن التصويت ليس فعلًا فرديًا معزولًا، بل مسؤولية وطنية. ومن يريد تغييرًا حقيقيًا عليه أن يصوّت للقوى التي تملك مشروعًا واضحًا، ومبادئ ثابتة، وخطًا وطنيًا سياديًا، وقادرة على تحويل هذا التوجه إلى قرارات داخل المؤسسات.

وهذا ما تمثّله القوات اللبنانية والقوى والشخصيات السيادية: التغيير لا يكون بالمفرّق، بل بالجملة؛ ولا يتحقّق بالمعالجات الموضعية، بل بقرار وطني سيادي متكامل.

لذلك، لا يجوز الاستسلام لفكرة أن لا شيء يتغيّر. الانتخابات أثبتت أن ميزان القوى يمكن أن يتغيّر، وأن تغيّر ميزان القوى يفتح الباب أمام تغيّر المعادلات. وإذا كان التوازن النيابي الحالي قد سمح بتحقيق ما تحقق، فإن ميزانًا نيابيًا أكثر وضوحًا وصلابة يمكن أن يحقق أكثر، وبسرعة أكبر.

المسؤولية اليوم تقع على كل لبناني: أن يصوّت، وأن يصوّت في الاتجاه الصحيح، وأن يدرك أن صوته يمكن أن يكون جزءًا من صناعة التغيير الذي يريده للبنان.