
السبب الحقيقي لرفض قانون العفو
يوليو 23, 2026
الدولة العميقة ليست أمنية فقط
يوليو 23, 2026كلما اقترب لبنان من استعادة دولته، عاد البعض إلى طرح الفكرة نفسها: فلنعطِ الحزب الإيراني مزيدًا من الوقت، ولنُزل الذرائع التي يتمسك بها، وعندها سيسلّم سلاحه طوعًا. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية أثبتتها التجربة على مدى عقود، وهي أن المشكلة ليست في الذرائع، بل في طبيعة المشروع نفسه.
فهذا التنظيم لم يحتفظ بسلاحه لأن إسرائيل كانت تحتل جزءًا من الأراضي اللبنانية، ولا لأنه كان ينتظر ظرفًا سياسيًا مناسبًا لتسليمه. لقد احتفظ به لأنه يعتبره أساس وجوده، ومصدر نفوذه، والأداة التي تتيح له تنفيذ المشروع الإيراني في لبنان. لذلك، فإن السلاح بالنسبة إليه ليس وسيلة مؤقتة، بل هو الغاية التي يقوم عليها.
صحيح أن من واجب الدولة أن تمنح الفرص قبل اللجوء إلى الخيارات الحاسمة، وأن تفضّل الحوار على المواجهة، لكن الفرص لا يمكن أن تتحول إلى سياسة دائمة، ولا يجوز أن تصبح وسيلة لتعليق قيام الدولة إلى أجل غير مسمى.
ومنذ انتهاء الحرب اللبنانية، أثبتت الوقائع أن الحزب لم يتعامل مع سلاحه باعتباره استثناءً مؤقتًا، بل باعتباره واقعًا دائمًا. ففي حين سلّمت جميع الميليشيات أسلحتها تنفيذًا لاتفاق الطائف، بقي هو خارج هذا المسار، لأنه كان جزءًا من مشروع إقليمي، لا من تسوية لبنانية داخلية. وبفضل التحالف الذي جمعه بالنظام السوري آنذاك، جرى تعطيل تنفيذ أحد أهم بنود الطائف، أي حصر السلاح بيد الدولة، فبقي لبنان رهينة الدويلة بدل أن يصبح دولة مكتملة السيادة.
وخلال المرحلة الأخيرة، مُنح الحزب ما يكفي وأكثر من الوقت. قُدمت له الضمانات، وأُخذت هواجس بيئته في الاعتبار، وفُتحت أمامه أبواب الحلول السياسية، على الرغم من الضربات التي أصابت مشروعه وتراجع قدراته. ومع ذلك، لم يُظهر أي استعداد لتغيير خياراته، بل بقي متمسكًا بالسلاح، ومصرًا على الخطاب نفسه، وكأن شيئًا لم يتغير.
من هنا، فإن الحديث عن إزالة الذرائع قبل إزالة السلاح يقلب الوقائع رأسًا على عقب. فالذريعة الحقيقية التي يجب أن تزول هي السلاح غير الشرعي نفسه، لأنه هو الذي استجلب الحروب، وأدخل إسرائيل إلى الأراضي اللبنانية، وأبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. وعندما يزول هذا السلاح، تزول تلقائيًا الذرائع التي يتذرع بها الجميع.
لقد وصلت سياسة الانتظار إلى نهايتها. وما يحتاجه لبنان اليوم ليس مزيدًا من الوقت، بل مزيدًا من الدولة. فالدولة لا تُقاس بعدد مؤسساتها، بل بقدرتها على احتكار السلاح وفرض القانون على الجميع من دون استثناء.
أما الرهان على أن الحزب سيتخلى طوعًا عن سلاحه إذا تبدلت الظروف أو اختفت الذرائع، فقد أثبتت التجربة الطويلة أنه رهان لا يستند إلى أي واقع. فالمشكلة ليست في الظروف، بل في المشروع ذاته. وكل تأخير في معالجته لا يؤدي إلا إلى إطالة عمر الأزمة، وتأخير ولادة الدولة التي ينتظرها اللبنانيون منذ عقود.




