الأنظار على الانتخابات الإسرائيلية… ولبنان يستجدي، بكل أسف، ضمانات الحزب الإيراني!

شارل جبّور
تتصدر الانتخابات الإسرائيلية المشهد هذا الأسبوع، باعتبارها الحدث الأبرز على المستوى الإسرائيلي، والعنوان الأساسي على مستوى لبنان والمنطقة. فالأوضاع الإقليمية باتت مرتبطة إلى حدّ بعيد بمسار الصراع الذي بدأ في 7 تشرين الأول 2023، وما أفرزه من تحولات عسكرية واستراتيجية، ومن عقيدة إسرائيلية جديدة يمكن تسميتها «عقيدة السابع من أكتوبر»، تقوم على منع تكرار ما حصل في ذلك اليوم، وعدم السماح لأي تهديد بأن يتعاظم إلى حدّ يعرّض الأمن الإسرائيلي للخطر.
إن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية ستترك انعكاساتها على مسار المواجهة في المنطقة. ففوز بنيامين نتنياهو يعني ليس فقط استمرار الحرب والمواجهة مع إيران ومحورها، بل تصعيدهما أيضاً. وهذا ما يفسّر عدم وقوف الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الحياد في هذه الانتخابات، بل إعلانه دعمه نتنياهو بصورة واضحة، انطلاقاً من حرصه على استمرار الشراكة بينهما، وهي الشراكة العسكرية التي أدّت إلى ضرب إيران واستهداف أذرعها على مستوى المنطقة.
لقد دعا ترامب علناً إلى دعم نتنياهو، ولم يُخفِ رغبته في استمراره في رئاسة الحكومة، انطلاقاً من تقاطع المصالح بينهما في مواجهة إيران ومحورها وملحقاتهما الإقليمية.
أما في حال فوز غادي آيزنكوت، فلن يكون أمامه ترف تقديم نفسه باعتباره نقيضاً عسكرياً لنتنياهو. فالأخير نجح في تكريس واقع عسكري جديد، وأوجد معادلات يصعب على أي رئيس حكومة مقبل تجاوزها أو التراجع عنها من دون أن يواجه اتهامات بالتساهل في حماية أمن إسرائيل. وبالتالي، سيكون آيزنكوت مضطراً إلى إثبات أنه لا يقلّ حزماً عن نتنياهو، وأنه قادر على حماية الإنجازات العسكرية التي تحققت، وربما الذهاب أبعد منها لانتزاع الشرعية الأمنية والعسكرية التي باتت تشكّل أحد أبرز عناصر قوة نتنياهو السياسية.
وقد تختلف المقاربات والأساليب بين الرجلين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختلافاً جوهرياً في النظرة إلى التهديدات الأمنية التي تواجهها إسرائيل. فسواء أكان نتنياهو أم آيزنكوت، ستبقى المواجهة مع إيران ومحورها بنداً أساسياً في الحسابات الإسرائيلية، وستظلّ المنطقة أمام مرحلة مفتوحة على احتمالات التصعيد.
وفي ضوء طبيعة النظام الانتخابي الإسرائيلي وتعقيدات تشكيل الحكومات، لا يمكن استبعاد سيناريوهات متعددة، من بينها استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، أو تعذّر تشكيل حكومة جديدة والذهاب إلى انتخابات أخرى. لذلك، فإن أهمية الاستحقاق لا تقتصر على هوية الفائز، بل تشمل أيضاً طبيعة الحكومة التي ستتشكل، ومدى قدرتها على اتخاذ القرارات العسكرية والسياسية، والاتجاه الذي ستسلكه المواجهة في المرحلة المقبلة.
لكن الفريق الوحيد الذي لا يفترض أن يجد في هذه الانتخابات ما يدعوه إلى الاطمئنان هو الفريق الإيراني، وفي مقدمته حزب الله في لبنان. فالمشكلة بالنسبة إلى طهران ليست محصورة في اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بل تكمن في واقع استراتيجي تغيّر، وفي إرادة إسرائيلية متجددة لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها وأذرعها على النحو الذي كان قائماً قبل السابع من أكتوبر. ولذلك، فإن الرهان على تبدّل الوجوه لتبديل مسار المواجهة رهان في غير محلّه، لأن جوهر الصراع يتجاوز الأشخاص إلى طبيعة التهديد الذي باتت إسرائيل تعتبره وجودياً لأمنها.
ولا أحد يستطيع الجزم بتوقيت الجولة المقبلة من التصعيد: هل تسبق الانتخابات الإسرائيلية أم تليها؟ وهل تتحدد ملامحها بعد اتضاح نتائج الاستحقاق الإسرائيلي أم بعد الانتخابات النصفية الأميركية الأسبوع المقبل؟ لكن المؤكد أن المنطقة تدخل مرحلة شديدة الحساسية، وأن لبنان، بحكم موقعه وتركيبته السياسية والعسكرية، لن يكون بمنأى عن تداعياتها.
ولعلّ هذا ما يفسّر، في نظر البعض، ترحيل البتّ في إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي، بانتظار اتضاح المشهد الإقليمي. غير أن ربط القرارات السيادية اللبنانية بحسابات الانتخابات الخارجية، إن صحّ، يطرح مشكلة إضافية تتصل بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بمعزل عن الضغوط والاعتبارات التي تفرضها القوى المسلحة خارج سلطتها.
وهنا نصل إلى المسألة الأكثر إساءة إلى صورة الدولة اللبنانية وما تبقّى من هيبتها: تجدد الحديث عن وساطات وضمانات مع حزب الله، بهدف الحؤول دون انخراطه في حرب إسناد جديدة إذا قررت الولايات المتحدة شنّ حرب جديدة على إيران.
أي دولة هذه التي تحتاج إلى وساطات مع حزب مسلح خارج سلطتها كي تضمن عدم استخدام أراضيها في حرب إقليمية؟ وأي منطق سيادي يجيز التعامل مع قرار الحرب والسلم باعتباره مسألة تفاوض بين الدولة وتنظيم مسلح، بدلاً من أن يكون قراراً حصرياً للمؤسسات الشرعية؟
إن أكبر إساءة إلى لبنان واللبنانيين أن تتحول الدولة إلى طرف يسعى للحصول على ضمانات من الحزب الإيراني، بدلاً من أن تكون هي الضمانة. فحزب الله سبق أن انخرط في حروب إسناد من دون العودة إلى الدولة، بل إن التجربة أثبتت أن الوعود التي تُطلق بشأن عدم التدخل لا تكفي لضمان الالتزام بها، ما دام القرار العسكري مرتبطاً بحسابات الحرس الثوري الإيراني، وليس بالمصلحة اللبنانية أو بقرار المؤسسات الدستورية.
ولا يجوز للدولة، أساساً، أن تقبل بأي كلام عن وساطات أو تطمينات، ولا أن تقبل بتلقي التعهدات من حزب يتخذ قراره في طهران. فالضمانة لا تأتي من تنظيم مسلح، ولا من تعهّد قابل للتراجع عنه، بل من دولة تفرض سيادتها وتحتكر قرار الحرب والسلم.
على الدولة اللبنانية أن تقول بالفم الملآن إنها هي التي تعطي الضمانات، وإنها لن تسمح باستخدام أرضها في أي حرب إقليمية. وعليها أن تؤكد بوضوح أنها لن تسمح لأي فصيل مسلح، وتحديداً حزب الله، بجرّ لبنان إلى مواجهة جديدة خدمةً لحسابات إيران أو غيرها، وأن أي محاولة من هذا النوع ستُواجَه بإجراءات حازمة لا تحتمل الالتباس أو التراجع.
المطلوب ليس أن تطمئن الدولة إلى أن الحزب لن يتدخل، بل أن تطمئن اللبنانيين إلى أنها لن تسمح له بالتدخل. والمطلوب ليس أن تنتظر موقفاً من طهران أو ضمانة من الحرس الثوري، بل أن تثبت أن قرار الحرب والسلم أصبح في يدها وحدها.

فالدولة إما أن تكون ضمانة اللبنانيين، وإما أن تعترف بأنها لا تزال عاجزة عن ممارسة سيادتها. أما الاستمرار في الحديث عن وساطات مع حزب الله، فيعني عملياً الإقرار بأنه لا يزال الطرف الذي يتحكم بقرار الحرب والسلم، وأن الدولة لم تستعد بعد سلطتها الكاملة على أرضها.
قد تحدّد الانتخابات الإسرائيلية ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة، لكن الامتحان اللبناني لا يتوقف على هوية الفائز فيها. امتحان الدولة هو أن تثبت، قبل أي حرب جديدة، أنها صاحبة القرار على أرضها، وأن لبنان لن يكون مجدداً ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية.
أما إذا أخطأ حزب الله مجدداً، واستخدم الأراضي اللبنانية في حرب إسناد ثالثة، فعليه أن يدرك أن الثمن سيكون مواجهة مباشرة مع الدولة اللبنانية نفسها، التي يفترض أن تتحرك بحزم عسكري وأمني لفرض سلطتها، وتوقيف المسؤولين عن جرّ البلاد إلى الحرب، ومحاسبتهم وفقاً للقانون.
الدولة التي تستجدي ضمانات الحزب الإيراني لا تحمي سيادتها، بل تقرّ بعجزها عن ممارستها. والمطلوب اليوم أن تكون الدولة هي الضمانة، لا أن تبحث عمّن يضمن لها ألّا يُسقط ما تبقّى من هيبتها.