هل باتت طهران تخشى توريط الحزب في حرب إسناد ثالثة؟

شارل جبّور
يدّعي «حزب الله» أنّ الولايات المتحدة الأميركية تريد تحييده عن الحرب المقبلة ضد إيران، وأنّ الهدف من اجتماع تامبا، الذي يُعقد اليوم في الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل على المستوى العسكري، هو العمل على تحييده. وهذا الادّعاء لا يستقيم مع الوقائع، لأنّه يصوّر الحزب نفسه وكأنّه قوة إقليمية مؤثّرة، يمكن أن يؤدّي دخولها الحرب إلى تغيير موازين القوى وفرض وقائع جديدة، فيما أظهرت الحربان على غزة وإيران أنّه لم يمتلك القدرة على التأثير في مسار المواجهات ونتائجها، وأنّ انخراطه فيهما ألحق به خسائر جسيمة، وأدّى إلى تدمير قدراته العسكرية وتراجع دوره الإقليمي.
إنّ تصوير المساعي الأميركية وكأنّها تهدف إلى تحييد الحزب اعترافاً بوزنه العسكري، ليس سوى محاولة منه لتضخيم دوره، فيما ما يجري التفكير فيه على المستويين الإيراني والأميركي مختلف تماماً.
للمرة الأولى، ثمة رأي داخل إيران يدعو إلى عدم الزجّ بـ«حزب الله» في حرب جديدة إذا اندلعت مواجهة ثالثة مع إسرائيل والولايات المتحدة، انطلاقاً من القناعة بأنّه لم يعد قادراً على تقديم أيّ إسناد فعلي، وأنّ الأولوية باتت الحفاظ على ما تبقّى من قدراته، بعدما استنزفته المواجهات السابقة، وفي ظلّ الخشية من أن تؤدّي أيّ حرب جديدة إلى سحقه بالكامل. فماذا يمكن أن يقدّم الحزب لإيران، إذا كان قد عجز عن تغيير مسار الحربين اللتين انخرط فيهما، وانتهى به الأمر إلى انكشاف قدراته وتدمير جزء كبير منها؟
أمّا بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية، فإنّ «حزب الله» ليس قوة تخشاها، وتحييده لا ينطلق من خشية من إيران بقدر ما يرتبط بتجنّب توسيع رقعة الحرب وتحميل لبنان واللبنانيين مزيداً من الأثمان. فواشنطن تعرف أنّ دخول الحزب مجدداً على خط المواجهة لن يغيّر موازين القوى لمصلحة إيران، لا من قريب ولا من بعيد، بل سيعرّض لبنان لدمار إضافي، في ظلّ احتمال أن تكون المواجهة المقبلة أشدّ قسوة من سابقاتها، وأن تطاول مناطق لبنانية واسعة، بما يضع البلاد أمام كوارث بشرية وعمرانية يصعب احتواؤها.
وبمعنى آخر، فإنّ تجنّب انخراط الحزب في حرب إسناد ثالثة ليس اعترافاً بقوته، كما يدعي، بل محاولة لتجنّب دفع لبنان فاتورة جديدة، قد تكون أفدح من الفاتورتين السابقتين. فالحرب المقبلة، إذا وقعت، قد تضع حدّاً نهائياً لما تبقّى من قدراته ووظيفته العسكرية، ولكن على حساب لبنان واللبنانيين، لا على حسابه وحده.
وما يرفض الحزب، ومعه إيران، قراءته هو أنّ الحرص الفعلي على البيئة الشيعية يقتضي إنهاء المشروع العسكري وتسليم السلاح إلى الدولة، بدلاً من الإصرار على إبقاء البلاد رهينة حسابات إيرانية لم يعد الحزب قادراً على التأثير في نتائجها.
لقد أخطأ هذا الفريق في قراءاته السياسية ورهاناته غير الواقعية، وما زال يرفض قراءة الأحداث، وآخرها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تأييده لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، وإشادته بدوره في مواجهة إيران. وتحمل هذه الخطوة دلالة سياسية على استمرار الشراكة بين الرجلين في مواجهة إيران وحلفائها، وذلك على الرغم من سعي شخصيات إسرائيلية معارضة لنتنياهو إلى إقناع ترامب بعدم التدخّل في الانتخابات.
إنّ هذه الرسالة، في قراءتها السياسية والعسكرية، تعني أنّ المواجهة مع إيران لم تُطوَ فصولها كما قد تظنّ طهران، بل توحي بأنّ واشنطن وتل أبيب تستعدّان لمواصلة الضغط عليها، مع إبقاء احتمال مواجهة جديدة قائماً. فالثنائي الذي أسهم في إسقاط نظام بشار الأسد، وأضعف قدرات «حماس» و«حزب الله»، ووجّه ضربات كبيرة إلى إيران، لا يعطي مؤشرات على أنّ حساباته الاستراتيجية انتهت عند حدود ما تحقّق حتى الآن، بل إنّ مؤشرات عدة توحي بأنّ المواجهة لم تبلغ نهايتها، وأنّ الحرب الثالثة آتية حتماً.
فهل يقرأ «حزب الله» هذه الرسائل؟ أم أنّه يصرّ على مواصلة المسار نفسه، حتى لو كان الثمن مزيداً من الخسائر في صفوف بيئته، التي دُمّرت قراها على نحو غير مسبوق في لبنان، فيما يتواصل الدمار فصولاً؟
المشكلة أنّ الحزب لا يزال يتصرّف وكأنّ في مقدوره التأثير في مسار الصراع الإقليمي، فيما تقول الوقائع التي أفرزتها الحروب الأخيرة إنّ دوره تراجع إلى حدّ بعيد، وإنّ الإصرار على استخدامه في خدمة المشروع الإيراني يعرّض ما تبقّى من قدراته لمزيد من الاستنزاف. وعلى الذين آمنوا من البيئة الشيعية بهذا المشروع يوماً أن يدركوا أنّه لا يجوز أن يبقوا وقوداً لحروب إيران، وأن يدفعوا أثماناً لم يعرفوا مثيلاً لها في تاريخهم.
ولعلّ أفضل ردّ على ادّعاء «حزب الله» أنّ واشنطن تريد تحييده عن أيّ حرب مقبلة مع طهران، هو أن يُترك أمام اختبار ادّعائه: فإذا كان مقتنعاً بأنّ الولايات المتحدة تخشى انخراطه في الحرب، فلماذا لا يبادر إلى خوضها؟ ولماذا لا ينخرط في حرب إسناد ثالثة، ما دام يعتقد أنّ تدخّله سيُربك حسابات واشنطن وتل أبيب؟
فإذا كان الحزب يعتقد أنّ امتناعه عن الحرب يقدّم خدمة للولايات المتحدة، فليثبت العكس، وليتحمّل مسؤولية رهاناته. أمّا أن يزعم أنّ واشنطن تخشاه، ثم يتجنّب المواجهة التي يقول إنّها تخشاها، فذلك تناقض لا يمكن إخفاؤه وراء الشعارات.



