غضب الحزب الإيراني مؤشر جيّد… والمطلوب المزيد من إغضابه

شارل جبّور

لا شكّ في أنّ الغضب الذي عبّر عنه «حزب الله» ويعبّر عنه، على لسان نوّابه، وآخرهم النائب حسن فضل الله، ومن خلال وسائله الإعلامية، وعن طريق توسيع تحرّكاته في الشارع، يعكس في حدّ ذاته مؤشرًا إلى جدّية الدولة اللبنانية في متابعة قضية شحنة المتفجّرات في ضهر البيدر واتجاهاتها، عبر تسطير الاستنابات القضائية وتوقيف كلّ من له صلة بهذه الشحنة ومسؤولية عنها.

ومردّ هذا التصعيد إلى أمر أساسي، وهو أنّ الحزب لمس، سواء بصورة عملية أو من خلال ما تسرّب إليه من معلومات، أنّ الدولة اللبنانية جادّة هذه المرّة في متابعة قضية المتفجّرات حتى النهاية، وأنّها لن تلفلف هذا الملف، بل تريد أن تجعل من هذه الحادثة درسًا للحزب، بما يضع حدًّا لعمله المسلّح.

فالكباش اليوم يدور بين حزب مصمّم على مواصلة عمله كالمعتاد، من دون أيّ مراجعة أو تراجع، ومن دون التزام بالدستور اللبناني أو القرارات الحكومية، ومتمسّك بمشروعه المسلّح من دون تغيير فاصلة واحدة فيه، وبين دولة تحاول الانتقال من القرارات إلى التنفيذ.

يعتبر الحزب أنّ مجرّد تسطير الدولة استنابات قضائية لتوقيف مسؤولين عسكريين في وحدة الارتباط والتنسيق يشكّل بحدّ ذاته تجرّؤًا عليه، حتى لو رفض تسليم هؤلاء، كما سبق أن رفض تسليم المدانين باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذين صدرت بحقّهم أحكام قضائية مبرمة عن المحكمة الدولية. فالمسألة بالنسبة إليه لا تقتصر على تسليم المطلوبين أو إخفائهم في خنادقه تحت الأرض، بل تتجاوز ذلك إلى رفض أن تتجرّأ الدولة على مواجهته.

فقد تجرّأت الدولة أولًا باتخاذ قرارات حلّ التنظيم العسكري والأمني، وهي تتجرّأ اليوم بالانتقال إلى التنفيذ العملي، من خلال القضاء والأجهزة العسكرية والأمنية. وهذا تحديدًا ما يريد الحزب ردعه منذ البداية، لأنّه يدرك أنّ جرأة الدولة في هذه القضية قد تفتح الباب أمام جرأة إضافية، وتؤسّس لمسار لا يستطيع معه مواصلة عمله المسلّح كأنّ شيئًا لم يتغيّر. وهذا ما يفسّر غضبه في مواقفه، ولجوءه إلى تحريك شبّانه في الشوارع.

في المقابل، تخضع الدولة لاختبار لا يقلّ أهمية. فإذا لم تبرهن عن جدّيتها في متابعة التحقيقات، وإصدار الاستنابات القضائية، وتوقيف كلّ من يجب توقيفه، فإنّها ستثبت أمام اللبنانيين والعالم أنّها ليست جدّية، ولا تريد القيام بما يتوجّب عليها القيام به.

نحن، إذًا، أمام اختبار مزدوج: الحزب يختبر قدرة الدولة على الاستمرار في تحقيقاتها وتنفيذ قراراتها، ويحاول ردعها ومنعها من المضيّ في هذا المسار؛ والدولة تختبر نفسها أمام اللبنانيين والعالم، لتثبت ما إذا كانت دولة حقيقية وفعلية، قادرة على فرض سلطتها وسيادتها.

فمن ينجح في هذا الاختبار؟ إنّ نجاح الحزب يعني استمرار الفوضى والوضع الكارثي، وتكريس واقع الدولة العاجزة عن تنفيذ قراراتها في مواجهة تنظيم مسلّح. أمّا نجاح الدولة، فيعني أنّ مسار الأمور سيبدأ بالتبدّل، وأنّها ستشرع، رويدًا رويدًا، في استعادة سيادتها المسلوبة ووضع يدها على القرار الوطني، بعد أن صادره هذا الحزب لسنوات طويلة.

إنّ غضب «حزب الله» مؤشر جيّد، لأنّ ارتياحه كان سيعني أنّ التحقيقات تتّجه إلى اللفلفة، فيما يؤشّر غضبه إلى أنّ الإجراءات تسير في الاتجاه الذي يزعجه، وأنّ احتمال توسيعها وتكثيفها بات يقلقه. ومن هنا، فإنّ المعيار الأساسي لجدّية الدولة يكمن في مواصلة الإجراءات وتوسيعها، لا في احتواء غضب الحزب أو تجنّب استفزازه. فبقدر ما يتصاعد غضبه، تكون الدولة ماضية في ممارسة مسؤولياتها، وبقدر ما يرتاح، تكون قد عادت إلى التراخي والتساهل معه.

المطلوب، إذًا، ليس تهدئة الحزب، بل المزيد من إغضابه، لأنّ الدولة التي تخشى غضبه لا تستطيع استعادة سيادتها.