ثلاث أوراق قوة بيد الدولة… والمطلوب استخدامها

شارل جبّور

قبل أن يتكبّد هزيمته المزلزلة أمام إسرائيل، كان “الحزب الإيراني في لبنان” يروِّج أنّ قوّته العسكرية تشكّل ورقة قوة للبنان، وأنّ سلاحه هو الذي يحميه ويردع إسرائيل عن الاعتداء عليه. لكنّ الحرب الأخيرة كشفت حقيقة هذا الادّعاء، وأظهرت أنّه لا يملك في مواجهة إسرائيل سوى الادّعاءات الفارغة والكاذبة، وأنّه لم يكن ورقة قوة للبنان، بل أكبر ورقة ضعف عرفها في تاريخه.

فهذا السلاح استجلب الحروب إلى لبنان، ومنع تطبيق الدستور، ونسف الميثاق، وأبقى البلاد ساحة للفوضى والحروب والقتل والدمار والخراب. والحديث عن أوراق القوة يجب أن ينتقل من الحزب الإيراني إلى الدولة اللبنانية، التي باتت مطالبة باستخدام أوراق القوة التي تمتلكها، بدلًا من البقاء في موقع ردّ الفعل، فيما المطلوب أن تكون في موقع المبادرة.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية القرارات التاريخية التي بادرت الدولة إلى اتخاذها، بدءًا من قرار نزع سلاح “حزب الله” وحلّ تنظيمه العسكري والأمني، مرورًا بقرار التفاوض المباشر مع إسرائيل، وصولًا إلى قرار إقفال بنك إيران في لبنان. لكنّ هذه القرارات، على أهميتها، لا تزال بحاجة إلى ترجمتها عمليًا، فيما يثير تجنّب تنفيذ قرار نزع السلاح سؤالًا أساسيًا: ما جدوى القرارات إذا لم تقترن بخطوات تنفيذية تضع حدًّا للواقع الذي أصدرتها الدولة لتغييره؟

أمام هذا الواقع، الذي ما زالت فيه الحكومة تتجنّب تنفيذ قراراتها بالقوة، تمتلك الدولة ثلاث أوراق قوة إضافية، وثلاث مبادرات تستطيع اللجوء إليها لتثبيت سلطتها، واستعادة قرارها، ووضع لبنان على طريق الخروج من دوامة الحروب، من دون أن تصطدم بالحزب الإيراني في لبنان، طالما أنّها ما زالت متردّدة في بسط سلطتها.

أولًا، الذهاب إلى السلام مع إسرائيل:

فور انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، وتبلور التفويض السياسي الجديد، وتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة رئيس حكومة جديد، على لبنان الرسمي أن يبادر إلى الذهاب نحو السلام مع إسرائيل، بدلًا من إبقاء هذا الخيار مؤجّلًا أو التعامل معه وكأنّه محرّم سياسيًا.

فالسلام هو الورقة التي تؤكّد فعليًا أنّ لبنان الرسمي لا يريد الحرب مع إسرائيل، ولا يقبل أن يبقى أسير تنظيمات مسلّحة قرّرت، خلافًا لإرادة الدولة ومصلحة اللبنانيين، أن تفتح الحروب معها. لقد أثبتت التجربة أنّ التنظيمات التي فتحت جبهات الحرب مع إسرائيل، وربطت لبنان بصراعات إقليمية، لم تجلب إليه سوى الدمار والخسائر. والسلام هو تثبيت لحقّ لبنان في العيش بأمان، واستعادة لقراره الوطني، وتأكيد أنّ الحرب والسلم من صلاحيات الدولة وحدها. ولبنان الذي يريد السلام يجب أن يمضي قدمًا في هذا الاتجاه، لا أن يبقى رهينة من يصرّ على إبقائه في حالة حرب دائمة.

ثانيًا، عدم تحمّل تداعيات الحرب التي شنّها “حزب الله”:

لا يجوز للدولة اللبنانية أن تتحمّل نتائج حرب لم تقرّرها، ولم تكن صاحبة قرارها، ولا أن تتصرّف وكأنّها مسؤولة عن معالجة التداعيات التي خلّفتها حرب شنّها “حزب الله” خلافًا لمصلحة لبنان واللبنانيين.

على الحكومة أن تقول بوضوح إنّها عاجزة عن تحمّل أعباء إضافية، وإنّ البلد محاصر، وإنّ الشعب اللبناني منهك، وإنّ من قرّر الحرب عليه أن يتحمّل مسؤولية نتائجها وتداعياتها.

فأيّ مساعدة تقدّمها الدولة لمعالجة آثار هذه الحرب، من دون تحميل الحزب مسؤوليتها السياسية والوطنية، تخفّف عنه كلفة قراره، وتتيح له التهرّب من المساءلة أمام بيئته واللبنانيين عمومًا. وليس مقبولًا أن يقرّر الحزب الحرب، ثمّ تذهب الدولة إلى تحمّل أعبائها، فيما يواصل هو التمسّك بسلاحه وبالنهج الذي أوصل البلاد إلى هذا الخراب.

على الحكومة أن تعتمد موقفًا واضحًا: عندما يسلّم “حزب الله” سلاحه، وتنتهي الحالة العسكرية والأمنية الخارجة عن سلطة الدولة، تصبح الحكومة معنيّة بممارسة مسؤولياتها كاملة، بما فيها المساعدة وإعادة الإعمار ومساندة المتضرّرين. أمّا ما دام الحزب يواصل فرض منطقه العسكري على البلاد، فلا يجوز أن تتحوّل الدولة إلى جهة تتحمّل عنه مسؤولية حربه.

المطلوب أن يتحمّل من اتّخذ قرار الحرب مسؤولية تداعياتها، لا أن يدفع اللبنانيون جميعًا ثمن قرار لم يكونوا شركاء فيه.

ثالثًا، التعامل مع لبنان بوصفه دولة طبيعية:

على الحكومة أن تتصرّف، من الآن فصاعدًا، على أساس أنّ لبنان دولة طبيعية، وأنّ الحرب التي يخوضها “حزب الله” لا علاقة للبنانيين بها، ولا يجوز أن تتحوّل إلى حرب اللبنانيين جميعًا، أو أن تنعكس على مؤسسات الدولة ومناطقها وشعوبها وكأنّ البلاد بأكملها طرف فيها. كما يجب ألّا تتطرّق إلى هذه الحرب في مواقفها، وأن تتصرّف وكأنّ الحرب تحصل على أرض أخرى لا علاقة لها بها، لأنّ من يقرّر الحرب عليه أن يتحمّل مسؤوليتها، ومن يصرّ على إبقاء سلاحه خارج سلطة الدولة عليه أن يتحمّل نتائج إصراره. أمّا الدولة، فعليها أن تحمي مؤسساتها ومناطقها ومجتمعها، وأن تمنع جرّ البلاد بأكملها إلى مغامرات عسكرية لا قرار لها فيها.

والحكومة مطالبة بأن تعلن بوضوح أنّ أيّ محاولة لنقل الصراع إلى المناطق الآمنة ستُواجَه بحزم، وأنّ المناطق التي تريد الحفاظ على استقرارها وأمنها ليست مباحة أمام من يريد نقل المعركة إليها. وأيّ محاولة لزعزعة استقرارها ستُواجَه بإجراءات حاسمة، بما يضمن حماية أهلها ومؤسساتها، ويمنع فرض منطق السلاح عليها.

لا ينقص الدولة اللبنانية اتخاذ القرارات، بل ينقصها الانتقال من إعلانها إلى تنفيذها، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة. وبما أنّها ما زالت متردّدة في إنهاء السلاح الإيراني على أرضها، فإنّ تجميد وضعيتها ووضعية اللبنانيين في انتظار حسم موضوع السلاح يشكّل مقتلًا لها ولهم. والمطلوب منها أن تقفز فوق هذا الجمود بالذهاب إلى السلام مع إسرائيل، وإعلان عدم تحمّلها مسؤولية حرب “حزب الله”، والتصرّف كدولة طبيعية تفرض سلطتها وتحمي مناطقها، وتتعامل مع الحرب وكأنّها تجري على أرض أخرى ليست لبنانية. هذه هي أوراق القوة الثلاث التي تمتلكها الدولة، والمطلوب ألّا تتركها معطّلة ومعلّقة.