من طريق القدس عبر جونية إلى طريق تل أبيب عبر بعبدا

شارل جبّور
لعلّ المدخل الأبرز لفهم الحرب اللبنانية التي اندلعت في منتصف سبعينيات القرن الماضي، بعدما بدأت إرهاصاتها منذ منتصف الستينيات، يتلخّص في الشعار الذي أطلقه القيادي الفلسطيني أبو إياد، صلاح خلف: «طريق القدس تمرّ من جونية».
فجونية، في ذلك الزمن، لم تكن مجرّد مدينة لبنانية، بل كانت ترمز إلى البعد المسيحي الذي واجه تحويل لبنان إلى جبهة عسكرية مفتوحة ضد إسرائيل، ورفض إسقاط اتفاقية الهدنة، واستخدام الأراضي اللبنانية منطلقًا للعمليات العسكرية، وصولًا إلى تقويض الدولة وضرب مقوّمات الحياة اللبنانية.
وبمعزل عن الجهة التي أطلقت الشعار، وعن رمزية جونية في ذلك السياق، فإنّه يختصر الأسباب الرئيسية للحرب اللبنانية، كما يختصر المسار الذي أدّى إلى تحويل لبنان إلى ساحة، وتقويض دولته، واستباحة أرضه، وانتهاك سيادته، وتحويله إلى منصّة لتصفية الصراعات الإقليمية، بهدف السيطرة عليه وإلحاقه بمحور الممانعة والخراب والدمار.
فبعد أبو إياد، جاءت المنظمات الأممية لترفع العنوان نفسه، ومفاده أنّ طريق القدس تمرّ من لبنان، ثم جاء «حزب الله» الإيراني ليكرّر المعادلة ذاتها. تبدّلت الجهات واللاعبون، لكنّ الهدف بقي واحدًا: استخدام لبنان في مواجهة إسرائيل، بصرف النظر عن الأثمان التي يدفعها اللبنانيون، وعن مصير دولتهم ووطنهم واستقلالهم وسيادتهم واستقرارهم.
لم يسقط لبنان بسبب صراع على الصلاحيات، ولا نتيجة تباين في وجهات النظر حول المشاريع السياسية، بل لأنّ فريقًا أراد استخدامه في حرب تتجاوز حدوده ومصالح شعوبه، فيما رفض فريق آخر أن يكون لبنان منصّة للحروب. ومن هنا، تفاعلت البيئات اللبنانية على قاعدة الانقسام بين من التقى وجدانيًا مع شعار «طريق القدس تمرّ من جونية»، ومن رفض هذا الشعار وتصدّى لمفاعيله الكارثية.
إنّ وضع اليد على لبنان، وإنهاء دوره بوصفه دولة ذات سيادة ووطنًا قادرًا على اتخاذ قراره، وإسقاط حياده عن صراعات المنطقة، كلّها مسارات بدأت واستمرّت تحت هذا العنوان، بصرف النظر عمّن رفعه، سواء أكان فلسطينيًا أم أمميًا أم أسديًا أم إيرانيًا. فالنتيجة واحدة: دولة مشلولة، وسيادة منتهكة، وشعب يدفع أثمان الحروب والدمار والتهجير.
لكنّ المفارقة التي ينبغي التوقّف عندها هي أنّ استهداف إسرائيل انطلاقًا من لبنان لم يكن ممكنًا من دون استهداف الدولة اللبنانية أولًا. فلو كانت في لبنان دولة فعلية تحتكر قرار الحرب والسلم، وتمسك بقرارها العسكري والأمني، لما أمكن استخدام أراضيها منصّةً لاستهداف إسرائيل خلافًا لإرادة الدولة وشريحة واسعة من اللبنانيين.
وهنا تكمن حقيقة المعادلة التي حكمت لبنان طوال ستة عقود: استهداف إسرائيل من لبنان يمرّ حتمًا باستهداف الدولة اللبنانية. فالدولة القوية، صاحبة القرار السيادي، تمنع تحويل أراضيها إلى ساحة حرب بالوكالة، فيما الدولة المفرّغة من سلطتها تصبح أداة في يد القوى التي تريد استخدام لبنان لتحقيق أهدافها الإقليمية.
وعليه، لم تكن إسرائيل الهدف الأول في هذا المسار، بل كانت الدولة اللبنانية هي الهدف الأول، لأنّ ضربها شرطٌ لاستخدام لبنان في مواجهة إسرائيل. أمّا استهداف إسرائيل، فكان الهدف المعلن والذريعة التي غطّت مشروع تقويض الدولة وإخضاع لبنان لمعادلات تتناقض مع مصالحه الوطنية والدستورية.
ومن هنا، ما زال لبنان يدور، منذ منتصف الستينيات وحتى اليوم، في حلقة مفرغة من الموت والحروب والفوضى والدمار، بسبب إصرار جهات متعاقبة على استخدامه لاستهداف إسرائيل، وهو استخدام لا يستقيم إلا بتعطيل الدولة اللبنانية وإفراغها من قدرتها على ممارسة سيادتها.
وللخروج من هذا النفق المظلم، لا بدّ من الانتقال إلى معادلة جديدة تقلب المعادلة القديمة رأسًا على عقب. فبدلًا من شعار «طريق القدس تمرّ من جونية»، وبدلًا من تحويل لبنان إلى منصّة لاستهداف إسرائيل، المطلوب اليوم اعتماد شعار مختلف: «طريق تل أبيب تمرّ من بعبدا».
والمقصود، طبعًا، ليس استهداف تل أبيب، بل الانتقال من منطق الحرب إلى منطق السلام، ومن استخدام لبنان لاستهداف إسرائيل إلى استعادة الدولة قرارها، ومن جعل الأراضي اللبنانية منصّةً للمواجهة إلى جعل مؤسسات الدولة معبرًا للتفاوض مع إسرائيل وصنع السلام معها.
إنّ طريق تل أبيب تمرّ من بعبدا، أي من رئاسة الجمهورية، ومن خلال المفاوضات التي أطلقها بجرأة رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، بما يتيح للبنان أن يتحدّث باسمه، وأن يدافع عن مصالحه، وأن يحدّد خياراته انطلاقًا من قراره السيادي، لا من حسابات إيران، وقبلها نظام الأسد، أو أيّ جهة خارجية أخرى.
هذا هو التحوّل المطلوب لطيّ صفحة ستين عامًا من الحروب والفوضى والدمار والتهجير والكوارث، وفتح صفحة جديدة يكون فيها السلام خيار الدولة اللبنانية، لا مشروعًا مفروضًا عليها، وتكون فيها المفاوضات أداةً لحماية لبنان واستعادة سيادته، لا مدخلًا للتنازل عن حقوقه.
إنّ إسقاط معادلة استهداف إسرائيل من لبنان، القائمة على استهداف الدولة اللبنانية أولًا، يبدأ بإعادة بناء الدولة الفعلية، القادرة على احتكار السلاح وقرار الحرب والسلم، ومنع استخدام أراضيها في أيّ مواجهة لا تقرّرها مؤسساتها الشرعية. ومن دون ذلك، سيبقى لبنان أسير المعادلة نفسها، مهما تبدّلت الشعارات والأسماء والجهات التي ترفعها.
من هنا، فإنّ المطلوب اليوم طيّ صفحة ستين عامًا من شعار «طريق القدس تمرّ من جونية»، وفتح صفحة جديدة للبنان المستقبل، عنوانها «طريق تل أبيب تمرّ من بعبدا»، من أجل إنهاء ستة عقود من استخدام لبنان ساحةً للحروب، وإسقاط المشاريع التي استهدفت دولته تحت ذريعة استهداف إسرائيل، وفتح الطريق أمام سلام يحفظ سيادته وقراره ومصالح شعبه، ويعيد الاستقرار والازدهار إلى ربوعه.
ستون عامًا كان فيها لبنان طريقًا إلى حروب الآخرين، وحان الوقت ليصبح بعبدا طريقه إلى السلام.



