الخصوصية الجغرافية شرط العيش المشترك

شارل جبّور
هناك ملفات تتقدّم فجأة إلى واجهة الإعلام، ثم تتراجع لتعود إليها في مرحلة لاحقة، لكنها تبقى حاضرة في النقاش العام، وتثير القلق لدى شريحة من اللبنانيين. ومن أبرز هذه الملفات المسألة العقارية، بما تشمل من شراء الأراضي والعقارات والتبدّل في الملكيات، وما يمكن أن يترتّب على ذلك من تغييرات ديموغرافية في بعض المناطق اللبنانية.
ولا شك في أن المثل الشعبي القائل إن «كل شيء زاد عن حدّه انقلب ضدّه» ينطبق، إلى حدّ ما، على طريقة مقاربة هذا الملف حاليًا. فهناك نوع من التضخيم للمسألة العقارية، إن لم نقل المزايدة، بما يجعلها تتجاوز أحيانًا حجمها الفعلي، وتتحوّل إلى مصدر هواجس تتخطّى الوقائع التي تستند إليها.
لكن لماذا هذا التضخيم، وما حجم الخطر الفعلي الذي يستدعي كل هذا القلق؟
لا شك في أن المشروع الذي يشكّل مصدر القلق الأساسي لدى شريحة من اللبنانيين هو المشروع الشيعي الإيراني في لبنان، الذي بلغ في ذروة صعوده الإقليمي واللبناني مرحلة امتلك فيها من الأموال والنفوذ والقدرات العسكرية ما مكّنه من محاولة إعادة تشكيل لبنان على صورته، وصولًا إلى إنشاء واقع موازٍ للدولة، بل إلى تكريس لبنان جديد تحت الأرض، خارج سلطة المؤسسات الشرعية.
إلا أن المشهد اليوم مختلف عمّا كان عليه في مرحلة صعود هذا المشروع. فقد تعرّض لانتكاسات كبيرة في المنطقة ولبنان، وتراجعت قدراته، وأصبح في حاجة ماسّة إلى الأموال لمعالجة تداعيات الحروب على بيئته، وتلبية احتياجات النازحين، واحتواء النقمة التي قد تتولّد من حجم الخسائر والدمار. وبالتالي، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل ما زال هذا المشروع يمتلك الإمكانات نفسها التي كانت متاحة له في مرحلة صعوده، أم إن أولوياته باتت مختلفة، وقدراته على التوسّع والتأثير تراجعت؟
فالقلق، في الحسابات السياسية، يرتبط عادةً بمشروع يتقدّم ويوسّع نفوذه، فيما يختلف تقدير المخاطر عندما يكون المشروع نفسه في حالة تراجع وانكفاء. وهذا لا يعني أن مخاطره انتهت أو أن تداعياته لم تعد قائمة، بل يعني أن مقاربة الملف العقاري يجب أن تنطلق من قراءة واقعية للمرحلة الراهنة، لا من استحضار صورة مرحلة سابقة بكل معطياتها وظروفها.
ومن أبرز الهواجس المطروحة أن جزءًا من البيئة الشيعية التي هجّرتها الحرب قد لا يعود إلى بلداته وقراه، وأن يتّجه إلى شراء عقارات في مناطق أخرى، بما قد يؤدّي إلى تغييرات في تركيبتها الديموغرافية. وهذا قلق لا يمكن تجاهله، كما أن مراقبة التحوّلات العقارية والسهر على عدم استغلالها لفرض وقائع جديدة أمران مطلوبان. لكن المطلوب أيضًا ألّا يتحوّل القلق المشروع إلى هاجس دائم، وألّا تُضخَّم المخاطر من دون التمييز بين ما هو قائم بالفعل وما يُخشى حصوله.
فالمشروع الإيراني، الذي يشكّل مصدر هذا القلق، يواجه تراجعًا في المنطقة ولبنان، فيما يبقى المطلوب إنهاء قدرته على فرض مشروعه على اللبنانيين، وصولًا إلى قيام دولة فعلية تحتكر السلاح والقرار. ومع تراجع هذا المشروع وانحسار قدرته على فرض وقائعه، تتغيّر المعطيات التي تحكم مقاربة الملف العقاري. فالخطر لا يكمن في عملية شراء عقارية بحدّ ذاتها، بل في توظيف المال والنفوذ لفرض واقع سياسي وديموغرافي يخدم مشروعًا يتجاوز الدولة وحدود التعايش بين اللبنانيين.
لكن، بمعزل عن هذا الملف تحديدًا، هناك مسألة أساسية لا يجوز إغفالها، وهي ضرورة الحفاظ على الطبيعة التعددية للبنان، وعلى الخصوصية الجغرافية لكل منطقة، بما يصون تنوّع المجتمع اللبناني وتوازناته. فلبنان، بصيغته القائمة على التعدد، لا يمكن أن يستمر إذا تحوّلت مناطقه تدريجيًا إلى مساحات تفقد خصوصياتها، أو إذا أصبح التبدّل الديموغرافي وسيلة لتغيير هويتها وفرض وقائع جديدة على سكانها.
إن كل من يحرص فعلًا على العيش المشترك مطالب بالحفاظ على البعد الجغرافي والديموغرافي، بما يعنيه من احترام لخصوصية المناطق وتنوّعها. فلكل منطقة خصوصيتها التي تكوّنت تاريخيًا واجتماعيًا؛ وللموحّدين الدروز جغرافيتهم، وللطائفة السنية مناطقها ذات الخصوصية التاريخية، وللطائفة الشيعية مناطقها، كما للمناطق المسيحية خصوصيتها التي ينبغي الحفاظ عليها. وهذه الخصوصيات ليست نقيضًا للعيش المشترك، بل هي أحد الشروط التي تسمح باستمراره ضمن صيغة لبنانية تحترم التعدد ولا تسعى إلى إلغائه.
أما من يرفع شعار العيش المشترك، فيما يسعى عمليًا إلى تحويل لبنان إلى لون واحد وهوية واحدة، وإلى إخضاع الحياة السياسية لمعادلة ديموقراطية عددية تتجاهل خصوصية التكوين اللبناني، فإنه يطرح مفهومًا للعيش المشترك يناقض الأسس التي قام عليها لبنان. فالعيش المشترك لا يعني أن تذوب الجماعات اللبنانية في جماعة واحدة، ولا أن تفقد المناطق هوياتها التاريخية، بل أن تتشارك هذه الجماعات الوطن والدولة والمؤسسات، مع الحفاظ على خصوصياتها ضمن إطار دستوري وسياسي جامع.
فنحن لسنا شعبًا متجانسًا واحدًا بالمعنى الاجتماعي والتاريخي، بل شعوب لبنانية اجتمعت في وطن واحد، وصاغت عبر تاريخها تجربة تقوم على التعدد والتشارك. ومن هنا، فإن الدعوة إلى إلغاء الطائفية السياسية تشكّل خطرًا على الطبيعة اللبنانية، ونسفًا للميثاق، والهدف منها تحكيم الأكثرية بالأقلية وإلغاء التعددية والخصوصيات الجغرافية.
إن الحفاظ على لبنان لا يكون بإنكار تنوّعه، بل بصونه، ولا يكون بإلغاء الخصوصيات، بل بتنظيم العلاقة بينها على قاعدة الشراكة والمساواة واحترام الحقوق. وهذه هي جمالية لبنان: أن تكون لكل منطقة خصوصيتها، ولكل جماعة حضورها، وأن تلتقي هذه الخصوصيات في دولة واحدة، من دون أن تسعى إحداها إلى ابتلاع الأخرى أو فرض هويتها عليها.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية إعادة طرح القانون الذي تقدّم به النائب والوزير السابق بطرس حرب، والمتعلّق بتنظيم بيع الأراضي والعقارات بين أبناء الطوائف المختلفة، بما يحدّ من التحوّلات التي قد تهدّد التوازنات الديموغرافية والخصوصيات الجغرافية للمناطق. فالمسألة تستحق نقاشًا جديًا من زاوية دستورية وقانونية، يوازن بين حق الملكية الفردية، والحفاظ على الخصوصية المناطقية، وضمانات العيش المشترك، والحاجة إلى حماية التعددية اللبنانية، من دون تمييز تعسفي أو مساس بالحقوق الأساسية للمواطنين.
إن لبنان لا يستطيع الاستمرار إذا تحوّلت جغرافيته إلى ساحة لتغيير الهويات وفرض الوقائع، كما لا يستطيع الاستمرار إذا اعتقدت أي جماعة أن بإمكانها الهيمنة على سائر الجماعات أو إلغاء خصوصياتها. فالتعددية هي جوهر لبنان ومعناه، ومن دونها يتحوّل إلى مساحة جغرافية بلا دور ولا معنى. واستمرارية لبنان التعددي تتطلّب حماية التعددية في السياسة والجغرافيا والمجتمع، وقطع الطريق على أي صيغة عددية تلغي خصوصياته وتحول الاختلاف من مصدر غنى إلى سبب للصراع.
من أجل أن يبقى لبنان ويستمر، لا بدّ من الحفاظ على خصوصية مناطقه وتنوّع جماعاته، ضمن دولة واحدة تحمي الجميع. أما إلغاء الخصوصيات باسم العيش المشترك، فليس عيشًا مشتركًا، بل إلغاء للمشترك نفسه، تمهيدًا لفرض اللون الواحد والرأي الواحد.



