صدفة ضهر البيضاء: الدولة أمام اختبار ثلاثي

شارل جبّور

إن ضبط شحنة ضخمة من المتفجرات، تضم مادتي الـTNT والـC4 الشديدتي الانفجار، على أحد حواجز قوى الأمن الداخلي في ضهر البيضاء، يطرح علامات استفهام خطيرة حول أداء الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية والاستخبارية، ومدى جدّيتها في تنفيذ قراراتها المتعلقة بنزع سلاح «حزب الله» وحلّ تنظيمه العسكري والأمني وملاحقته.

إن ما حصل لم يكن نتيجة عمل أمني استباقي كشف شبكة المتفجرات وتعقّب مسارها وانتهى بضبط الشحنة على حاجز أمني. وإذا كانت هذه العملية قد كشفت خطراً لم يكن قد جرى التعامل معه استباقياً، فإنها تضع الدولة أمام مسؤولية كبيرة: ماذا فعلت أجهزتها منذ اتخاذ القرارات المتعلقة بنزع سلاح الحزب، ولماذا لم تتحول ملاحقة نشاطه العسكري والأمني إلى أولوية مطلقة؟

فمنذ أن اتخذ مجلس الوزراء قراره في 5 آب 2025 بشأن نزع سلاح الحزب، وصولاً إلى القرارات اللاحقة في 2 آذار 2026 المتعلقة بحلّ تنظيمه العسكري والأمني، كان يفترض أن تتحول متابعة نشاط هذا التنظيم إلى أولوية أمنية واستخبارية مطلقة. لكن هذا التحوّل لم يحصل، وهذا تقصير فاضح تتحمل مسؤوليته الأجهزة المعنية. فكان يفترض أن تترجم الدولة قراراتها إلى إجراءات ميدانية فعلية، تبدأ بملاحقة العناصر والشبكات، ولا تنتهي إلا بتفكيك البنية العسكرية والأمنية التي تقف وراءها.

إن ما حصل في ضهر البيضاء يكشف، في الحد الأدنى، أن ثمة أسئلة جدية حول مدى توظيف الأجهزة المعنية إمكاناتها لمتابعة تنفيذ قرارات الدولة. وهنا تقع المسؤولية الأولى على الدولة، لأن ضبط هذه الشحنة لم يكن نتيجة عملية استباقية لكشف الشبكة التي تقف وراءها. وتكمن الخطورة في أن الحزب ما زال يتصرف وكأن نشاطه العسكري والأمني هو مسألة طبيعية، فيما تتعامل معه الدولة بما لا يتناسب مع القرارات التي اتخذتها بحقه.

وإذا كانت هذه الشحنة قد كُشفت من خلال حاجز أمني، فلا أحد يستطيع أن يجزم بأن شحنات أخرى لم تمرّ، أو أن محاولات مماثلة لم تحصل من دون أن تنجح الأجهزة الأمنية في كشفها. ولذلك، يجب التعامل مع ما حصل باعتباره إنذاراً خطيراً يستدعي مراجعة الأداء الأمني والاستخباري ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير.

ويجب التعامل أيضاً مع احتمال أن يكون الحزب، في ظل هزيمته العسكرية وعدم قدرته على تغيير الوقائع الميدانية، بالتزامن مع تزايد الضغوط السياسية عليه، يسعى إلى نقل المواجهة إلى الداخل اللبناني، سواء من خلال التفجيرات أو الاغتيالات أو استهداف التجمعات والشخصيات. وهذا احتمال يجب أن تتحقق منه التحقيقات، لا أن يُترك اللبنانيون أمام مخاوفه من دون أجوبة واضحة. فالتنظيم الذي اعتاد استخدام العنف لتغيير الوقائع وفرض معادلات سياسية وأمنية لا يجوز التعامل مع نشاطه على أساس حسن النيات، ولا يجوز انتظار وقوع الكارثة قبل التحرك لمواجهته.

وقد أكدت التحقيقات إلى انتماء الموقوفين إلى «حزب الله»، وإلى إقرارهما بذلك، فضلاً عن إقرارهما بألقاب الأشخاص الذين تسلّما منهما الشحنة وكان يفترض أن يتسلّموها. وهذه المعطيات تستدعي الانتقال فوراً من مستوى توقيف العناصر الناقلة إلى كشف الشبكة الكاملة التي تقف وراء العملية، وتحديد مصدر المتفجرات، والجهة التي أمّنتها، ومن أصدر الأوامر، والهدف الذي كانت معدّة لتحقيقه.

إن خطورة هذه القضية لا تنفصل عن سجلّ الاغتيالات السياسية التي شهدها لبنان، ولا عن الاتهامات والأحكام الصادرة عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. كما أن اللبنانيين لم ينسوا الاغتيالات التي استهدفت قيادات وشخصيات من قوى 14 آذار، وما خلّفته من خوف وانعدام للثقة بالدولة. ولذلك، فإن أي محاولة للتقليل من خطورة ما كُشف، أو الاكتفاء بتوقيف العناصر الذين ضُبطوا مع الشحنة، ستكون بمثابة تجاهل متعمّد للدروس التي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة عدم استخلاصها.

والمطلوب، انطلاقاً من كل ذلك، خطوات واضحة وحاسمة:

أولاً، توفير الحماية الأمنية اللازمة لعناصر قوى الأمن الداخلي الذين تمكنوا من ضبط هذه الشحنة الخطيرة. فالتجربة اللبنانية، ولا سيما اغتيال الرائد وسام عيد، الذي اضطلع بدور أساسي في التحقيقات التقنية المتعلقة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، تفرض التعامل بجدية مطلقة مع المخاطر التي قد يتعرض لها كل من يكشف شبكات الاغتيال والإرهاب. ولا يجوز أن يُترك هؤلاء العناصر عرضة لأي تهديد أو انتقام بسبب قيامهم بواجبهم.

ثانياً، عدم حصر التحقيق في توقيف ناقلي الشحنة، بل توسيعه ليشمل جميع المتورطين، من مصدر المتفجرات إلى الجهات التي نقلتها وأمّنتها، وصولاً إلى الرؤوس المدبّرة ومن أصدر القرار باستخدامها. فالمسألة ليست توقيف شخصين، بل كشف شبكة كاملة، وتحديد الجهة التي تقف وراءها، والهدف الذي كانت تسعى إلى تحقيقه، والأشخاص الذين كان يفترض أن يتسلّموا هذه الشحنة، ومحاسبة كل من تورّط فيها، مهما علا شأنه أو كان موقعه داخل التنظيم، بدءاً من أمينه العام.

ثالثاً، الدعوة إلى اجتماع فوري للمجلس الأعلى للدفاع، بمشاركة الأجهزة الأمنية والاستخبارية المعنية، لتبادل المعلومات وتنسيق الإجراءات وتحديد المخاطر المحتملة. كما يجب أن يجتمع مجلس الوزراء فوراً، وأن يتخذ قراراً بإحالة القضية إلى المجلس العدلي، بالنظر إلى خطورتها وما قد تنطوي عليه من مخططات تستهدف الأمن والاستقرار في لبنان.

رابعاً، تشديد الطوق الأمني والاستخباري على شبكات «حزب الله» العسكرية والأمنية، وتوجيه الجهد الأمني نحو كشف أي استعدادات أو تحركات مشبوهة يمكن أن تستهدف اللبنانيين. فلا يكفي أن تتخذ الدولة قراراً بحلّ تنظيم، ثم تترك بنيته تعمل من دون ملاحقة جدية. إن القرارات التي لا تتحول إلى إجراءات تنفيذية تبقى حبراً على ورق، وتصبح الدولة مسؤولة عن النتائج التي تترتب على تقاعسها.

خامساً، وضع حدّ لوجود العناصر المرتبطة بهذا التنظيم داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفقاً للقانون والأصول، وبما يضمن استقلالية هذه المؤسسات وولاءها للدولة وحدها. فلا يمكن للدولة أن تنفّذ قراراتها في مواجهة تنظيم مسلح، فيما تبقى أجهزتها عرضة للاختراق أو التعطيل أو التساهل مع الجهات التي يفترض أن تلاحقها.

سادساً، تقديم أجوبة واضحة للبنانيين حول حقيقة ما كان يجري الإعداد له، والجهات التي تقف وراءه، ومدى وجود مخططات أخرى. فالشعب اللبناني الذي اختبر الاغتيالات والتفجيرات لا يريد تطمينات عامة ولا بيانات شكلية، بل يريد أن يعرف ماذا حصل، ومن المسؤول، وكيف ستمنع الدولة تكرار ما جرى.

لكن هذه الإجراءات، على أهميتها، لا تكفي ما لم تترافق مع ثلاثة اتجاهات أساسية:

الاتجاه الأول: إجراء تغييرات فورية في المسؤوليات والقيادات العسكرية والأمنية. فالمصادفة التي أدت إلى ضبط هذه الشحنة تكشف خللاً أمنياً كبيراً يستدعي المحاسبة. ولا يجوز أن تمرّ القضية من دون تحديد المسؤوليات، واتخاذ القرارات اللازمة بحق كل من قصّر في أداء واجباته، بما في ذلك تغيير المسؤولين المعنيين.

الاتجاه الثاني: أن تركز الأجهزة الأمنية والاستخبارية عملها الأساسي على النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله»، وملاحقة عناصره وشبكاته وتحرّكاته، تنفيذاً لقرارات الدولة. فلا يجوز أن يستمر الحزب في التحرك وكأنه مستثنى من الملاحقة، أو أن يُعامل على الحواجز الأمنية باعتباره جهة صديقة ومعفاة من المتابعة. لقد حان الوقت لوضع حدّ نهائي لهذا الواقع، وتوجيه الجهد الأمني نحو تنفيذ القرارات الرسمية، لا التعامل معها باعتبارها مجرد مواقف سياسية.

الاتجاه الثالث: استدعاء الأمين العام لـ«حزب الله»، الشيخ نعيم قاسم، للتحقيق معه، وتحديد مسؤوليته في ضوء موقعه على رأس التنظيم ومواقفه المعلنة. فالشعب اللبناني غير معني بالتمييز بين الشق السياسي والعسكري للحزب عندما يتعلق الأمر بكشف المسؤوليات عن نشاط أمني أو عسكري غير مشروع. وقد أعلن الحزب، على لسان الشيخ نعيم، مسؤوليته عن إطلاق الصواريخ في 2 آذار، فيما لا يزال قاسم يؤكد تمسّكه بالسلاح تحت عنوان ما يسمى “المقاومة”. لذلك، فإن المطلوب استدعاء قاسم للتحقيق معه.

لقد اتخذت الدولة قرارات واضحة بشأن السلاح غير الشرعي والتنظيم العسكري والأمني لـ«حزب الله». وحان الوقت لكي تثبت أنها جادة في تنفيذها، وأنها لا تتعامل مع هذه القرارات بوصفها مجرد مواقف سياسية لاحتواء الضغوط، بل باعتبارها التزامات ملزمة تستوجب عملاً أمنياً واستخبارياً متواصلاً.

إن صدفة ضهر البيضاء ربما جنّبت لبنان خطراً كبيراً، لكن لا يجوز أن تتحول الصدفة إلى بديل من الدولة، ولا أن يُترك أمن اللبنانيين رهينة المصادفات. فالمسؤولية اليوم تقع على عاتق الدولة وأجهزتها، والمطلوب أن تبدأ فوراً بملاحقة هذا التنظيم وكشف شبكاته وتفكيك بنيته العسكرية والأمنية، وأن تصل التحقيقات إلى من اتخذ القرار ومن أعطى الأوامر، لا أن تتوقف عند من حمل المتفجرات.

وقد تكون المصادفة، أو العناية الإلهية كما يراها اللبنانيون، قد جنّبت البلاد مخططاً خطيراً. لكن ما يجب التركيز عليه هو أن الحزب، المهزوم عسكرياً والمحاصر سياسياً، قد يجد في زعزعة الاستقرار الداخلي وسيلة للضغط على الدولة واللبنانيين، وتخييرهم بين التسليم بسلاحه وتركه وشأنه، وبين مواجهة موجة من الاغتيالات والتفجيرات. وإذا كانت هذه هي الغاية التي تكشفها التحقيقات، فإن لبنان يكون أمام محاولة لاستخدام الاستقرار ورقة أخيرة للحفاظ على السلاح الإيراني.

المطلوب من الدولة أن تتحرك قبل وقوع الجريمة، لا أن تكتشف الخطر بالمصادفة بعد فوات الأوان. والنقطة على السطر: لا حماية للبنان من الإرهاب ما لم تُلاحَق الشبكات التي تقف وراءه، ويُحاسَب كل من يثبت تورطه، من العناصر المنفّذة إلى أصحاب القرار، من دون استثناء.