لبنان ليس شعبًا واحدًا ولا بيتًا واحدًا

شارل جبّور
من أجمل التعبيرات التي تعكس حقيقة الواقع اللبناني تعبير المؤرخ الكبير كمال صليبي في كتابه “بيت بمنازل كثيرة”، وتعبير الكاتب والصحافي العريق سركيس نعوم “الشعوب اللبنانية”. وهذان التعبيران يختصران، في عمقهما، حقيقة لبنان وطبيعة تركيبته، ويشكّلان المدخل الإلزامي لأي محاولة جدّية لإخراج البلد من أزماته المتلاحقة ووضعه على طريق الاستقرار والازدهار.
ولأن لبنان يمرّ في مرحلة مفصلية من تاريخه، ولأن المنطقة تشهد تحوّلات ذات طبيعة تاريخية، ولأن من حق لبنان والشعوب التي تعيش على أرضه، والمنازل الكثيرة التي يتألّف منها بيته، أن تعيش باستقرار وسلام وازدهار، كما هو حق أي مواطن أو جماعة في هذا العالم، فقد حان الوقت للتخلّص من الأوهام التي رافقت تأسيس الكيان اللبناني، ولا سيما الأوهام المتصلة بإلغاء الطائفية من النصوص والنفوس، وإلغاء الطائفية السياسية، وسائر المحاولات الرامية إلى تحويل لبنان إلى بيت واحد وشعب واحد وهوية واحدة.
يجب، في المقابل، تثبيت المفهومين اللذين عبّر عنهما كمال صليبي وسركيس نعوم، والانطلاق منهما لإعادة بناء النظام السياسي اللبناني على قاعدة الاعتراف بحقيقة المجتمع اللبناني، لا محاولة إخضاعه لأوهام لا تمتّ إلى واقعه بصلة.
فلبنان لم يستقرّ منذ مئة عام حتى اليوم، منذ دستور عام 1926، ولن يستقرّ طالما أن هناك من يريد التعامل مع اللبنانيين باعتبارهم شعبًا واحدًا، ومع لبنان باعتباره بيتًا واحدًا. نحن في لبنان لسنا شعبًا واحدًا ولن نكون، ولسنا بيتًا واحدًا ولن نكون.
الشعب اللبناني هو، كما قال المؤرخ كمال صليبي، بيت بمنازل كثيرة. هناك بيت اسمه لبنان، ولكن داخل هذا البيت لا يوجد منزل واحد، بل منازل كثيرة. والمطلوب ليس إنكار هذا الواقع أو محاولة تغييره بالقوة أو بالشعارات، بل تثبيته وترسيخه وحمايته، بحيث يكون لكل منزل حقه في الوجود والاستقرار، من دون أن يسعى أي منزل إلى إلغاء المنزل الآخر أو إخضاعه أو فرض هويته عليه.
لقد سقطت كل المحاولات التي هدفت، وما زالت تهدف، إلى إزالة هذه المنازل وتحويل لبنان إلى بيت واحد بهوية واحدة. كما سقطت الأحلام التي راهنت على إنتاج أمة لبنانية واحدة، متجانسة في هويتها وانتمائها، على حساب التعدّدية التي تكوّن منها المجتمع اللبناني. وقد أدّت هذه الأوهام، في محطات كثيرة من تاريخنا، إلى بروز تيارات ومشاريع ألحقت لبنان بمشاريع شيطانية، وأدخلته في حروب وكوارث وقتل ودمار.
لذلك، يجب التخلّص من هذه الأفكار والأوهام. فلا أمة لبنانية واحدة بالمعنى الذي يريد البعض فرضه على اللبنانيين، ولا أمة سورية ولا أمة عربية ولا أمة إيرانية يمكن أن تُفرض على لبنان لتحدّد هويته ومصيره. هناك لبنان، الذي لا يمكن أن يتحوّل إلى بيت واحد، لا تحت عنوان إلغاء الطائفية السياسية ولا تحت أي عنوان آخر.
إن لبنان، لكي يستقرّ، يجب أن يكون بيتًا بمنازل كثيرة، ويجب تثبيت هذا الواقع في نظامه السياسي ودستوره ومؤسساته. ولكي يعيش لبنان ويستقرّ، لا بدّ من ترسيخ المفهوم الذي تحدّث عنه سركيس نعوم، أي مفهوم “الشعوب اللبنانية”، ومأسسته.
فالأحلام التي تقول إننا شعب واحد تتراوح بين الخبث والبراءة، لكنها، في الحالتين، تتجاهل التعدّدية اللبنانية، وتفتح الباب أمام محاولة ضرب الهويات المتعددة وإخضاعها لهوية واحدة، بما يتيح إلحاق لبنان بمشاريع الممانعة الكارثية. ومن هنا، فإن المطلوب هو الإقرار بأننا شعوب لبنانية، ومأسسة لبنان على قاعدة تعدّدية مجتمعه، ضمن دولة تحمي هذه التعدّدية وتصون حقوق مكوّناتها.
وهذا يعني الانتقال إلى نظام سياسي جديد، يكون في الحدّ الأدنى نظامًا اتحاديًا، يوفّر لكل منزل من المنازل اللبنانية الحماية والقدرة على إدارة شؤونه، ويمنع أي طرف من فرض إرادته على الآخرين أو إلغاء خصوصياتهم. فالتعدّدية التي لا تجد تعبيرها في بنية الدولة ومؤسساتها تبقى عرضة للانفجار مع كل أزمة سياسية أو أمنية أو إقليمية.
ومن هنا، لا بدّ من إعادة النظر في المنطلقات التي حكمت التجربة اللبنانية منذ دستور عام 1926 وصولًا إلى اتفاق الطائف، ولا سيما الرهان على إلغاء الطائفية السياسية. فلا إلغاء للطائفية السياسية ولا من يحزنون، ما دام هذا الإلغاء لم يتحقّق طوال مئة عام، ولن يتحقّق بعد مئة عام أخرى إذا استمرّ التعامل مع المجتمع اللبناني على أساس الأوهام نفسها، بدل الاعتراف بحقيقته وترجمة هذا الاعتراف في نظام سياسي قابل للحياة.
إن التجربة الممتدة من عام 1926 إلى اليوم، بما شهدته من دمار وخراب وموت وحروب وكوارث، تفرض علينا استخلاص الدروس بدل الاستمرار في تكرار الأخطاء نفسها. لقد آن الأوان لمأسسة التركيبة اللبنانية على قاعدة “بيت بمنازل كثيرة”، بحيث تُبنى هذه المنازل وتُرسّخ وتُحمى، ولمأسسة لبنان على قاعدة “الشعوب اللبنانية”، باعتبار أن هذه التعدّدية ليست مشكلة يجب التخلّص منها، بل حقيقة يجب تنظيمها وحمايتها.
ونحن اليوم أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرّر، تتمثّل في هزيمة المشروع الإيراني في المنطقة ولبنان. فهذا المشروع، الذي ألحق لبنان بمشاريع الحروب والموت والدمار، هُزم، ولن تكون له قيامة بالقدرة والدور اللذين امتلكهما سابقًا. وكل الكلام الذي يُقال بعد هذه الهزيمة لا يغيّر حقيقة أن دوره العسكري انتهى، وأننا نعيش فصوله الأخيرة.
ومن الخطيئة بمكان أن نسمع، بعد انتهاء هذه الحرب، من يعود إلى ترداد مقولات الوحدة الوطنية والعيش المشترك وضرورة أن نتوحّد، وكأن المشكلة اللبنانية تكمن في نقص الشعارات، لا في غياب الاعتراف الفعلي بالتعدّدية اللبنانية وتنظيمها ضمن دولة تحمي الجميع.
إن العودة إلى الشعارات نفسها، من دون معالجة جذور الأزمة، تعني ارتكاب خطيئة بحق لبنان واللبنانيين للمئة سنة المقبلة. فنحن أمام مرحلة تاريخية قد لا تتكرّر ولو بعد مئة عام، ولا يجوز أن نهدرها بإعادة إنتاج الأفكار التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه.
ومع هزيمة هذا المشروع الشيطاني، يجب الانتقال فورًا إلى مأسسة لبنان على قاعدة “بيت بمنازل كثيرة” و”الشعوب اللبنانية”، لا الاختباء مجددًا خلف عناوين الوحدة الوطنية والعيش المشترك، أو خلف مقولة إننا جميعًا نعيش على مساحة 10452 كيلومترًا مربعًا وتحت سماء هذا البلد. فالمشكلة ليست في العيش على الأرض نفسها، بل في كيفية إدارة الاختلاف الجوهري بين مكوّنات المجتمع، ومنع أي طرف من إلغاء الطرف الآخر أو إخضاعه.
المطلوب هو نظام سياسي يؤسّس لعلاقة سليمة بين المنازل اللبنانية والشعوب اللبنانية، ويمنع أي فريق من الاستئثار بالقرار الوطني أو استخدام الدولة لإلحاق لبنان بمشروع خارجي. نظام يعترف بالتعدّدية ويؤمّن الاستقرار، بدلًا من أن يترك البلاد رهينة صراعات الهوية ومحاولات الإلغاء.
إن إضاعة هذه الفرصة التاريخية تعني إلقاء لبنان مجددًا في الفوضى، وفتح الباب أمام محاور الإلغاء كي تعود إلى محاولة إلغاء المنازل اللبنانية والشعوب اللبنانية، وصولًا إلى فرض شعب واحد وهوية واحدة، ومن ثم إلحاق لبنان بمشاريع الموت والخراب والدمار والكوارث.
لبنان لا يستقرّ بإنكار تعدّديته، ولا يُبنى بإلغاء منازله وشعوبه، بل بالاعتراف بها ومأسستها وحمايتها. هذه هي المعركة السياسية التي ينبغي خوضها اليوم، وهذه هي الفرصة التاريخية التي لا يجوز تفويتها.



