بعد ثلاث سنوات على 8 تشرين الأول: ماذا بقي من حروب الحزب؟

شارل جبّور
بعد ثلاث سنوات على 8 تشرين الأول 2023، وبعد مراجعة سريعة للحروب التي خاضها “حزب الله” منذ خروج جيش الأسد من لبنان عام 2005، يمكن التوقف أمام أربع محطات أساسية، لا تتصل بالمواقف السياسية ولا بالشعارات، بل بالحروب التي قرر الحزب خوضها، والنتائج التي انتهت إليها.
الحرب الأولى كانت في تموز 2006، عندما أقدم على خطف جنديين إسرائيليين داخل منطقة السيطرة الإسرائيلية، فأشعل حربًا مدمرة للبنان وللحزب نفسه. وبعد انتهاء الحرب، قال حسن نصر الله بوضوح: “لو كنت أعلم” أن ردة الفعل الإسرائيلية ستكون بهذا الحجم، لما أقدمت على عملية الخطف. أي أن قرار الحرب اتُّخذ من دون تقدير حقيقي لتداعياته على لبنان.
الحرب الثانية كانت في 7 أيار 2008، عندما وجّه سلاحه، الذي يدّعي زورًا أنه ضد إسرائيل، إلى صدور اللبنانيين، وأعلن بالفم الملآن أنه يقاتل دفاعًا عن سلاحه، ووصف 7 أيار بأنها “حرب مجيدة”، أي تمجيدًا لقتل اللبنانيين. وكانت الرسالة واضحة لمن لم يكن قد فهم بعد من اللبنانيين أن وظيفة هذا السلاح الأساسية هي حماية مشروع إيراني في لبنان. فالحزب لم يتورع عن خوض الحروب تنفيذًا لأجندة إيران، ولم يتورع كذلك عن قتل اللبنانيين علنًا وجهارًا عندما شعر أن سلاحه مهدد.
أما الحرب الثالثة فكانت في عام 2011، عندما قرر إرسال مقاتليه من لبنان إلى سوريا للدفاع عن نظام بشار الأسد. وبمعزل عن كون القرار إيرانيًا أو حزبيًا، فإنه وإيران في نهاية المطاف جسم واحد. ذهب الحزب إلى سوريا، وقُتل له الآلاف، وانكشف أمام اللبنانيين والعرب والعالم بوصفه قوة عسكرية عابرة للحدود، على استعداد للقتال في كل المعمورة تنفيذًا لإشارة إيرانية، لا حركة مقاومة كما يدّعي. والأهم أنه ذهب إلى سوريا ليقاتل الشعب السوري دفاعًا عن نظام الأسد، فكانت سوريا التي كشفت الحزب أمام إسرائيل والعالم.
أما الحرب الرابعة، فكانت في 8 تشرين الأول 2023، عندما أعلن نصر الله إسناد غزة، بعد أقل من يوم واحد على عملية “طوفان الأقصى” التي قادها يحيى السنوار. وما هو واضح حتى الآن أن هذه العملية لم تكن منسقة، وفي حال ثبت التنسيق، فإن المحور برمته يكون قد اتخذ قرار نهايته بيده. وقبل أن يثبت هذا الأمر، يبقى واضحًا أن المسؤول عمليًا عن إدخال “حزب الله” في هذه الحرب هو حسن نصر الله، لأن السنوار كان يتحرك ضمن إطار غزة، فيما قرر نصر الله فتح جبهة لبنان. ولولا هذا القرار، لما انتهى الحزب إلى ما انتهى إليه، ولما قُتل نصر الله، ولما سقط نظام الأسد، ولما جاءت السلطة الجديدة في سوريا، ولما تورطت إيران في مواجهة مباشرة، ولما تعرض المحور الإيراني لكل الضربات التي أدت إلى تفكك بنيته واغتيال عدد كبير من رموزه وقياداته.
ومن هذه الزاوية بالذات، يمكن القول لنصر الله: شكرًا لأنك قررت الدخول في هذه الحرب. فلولا قرارك، لكان “الستاتيكو” الذي كان قائمًا قبل 8 تشرين الأول 2023 لا يزال قائمًا. وكانت إسرائيل بغنى عن حروب إضافية، وكان “حزب الله” سيواصل الاحتفاظ بترسانته وبقواعد الاشتباك التي أرساها، وكان المحور الإيراني سيواصل عمله من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن وإيران، وكان لبنان ما زال محافظة إيرانية وساحة من ساحاتها العسكرية والإرهابية.
وهكذا، فإن مراجعة سريعة للحروب الأربع التي خاضها حسن نصرالله تقود إلى نتيجة واحدة: لم تجلب هذه الحروب لبيئة الحزب إلا القتل والتهجير والعزل والدمار، وأظهرت أن رجلًا امتلك كل هذه الكاريزما السياسية والتنظيمية قد جرّ الويلات على بيئته ومجتمعه بسبب تهوره في اتخاذ قرارات الحرب.
لكن ماذا بعد ثلاث سنوات على 8 تشرين الأول؟ ماذا بعد أن أصبح “حزب الله” معزولًا جغرافيًا وسياسيًا ومدمرًا في بنيته العسكرية، فيما تصر قيادته على التمسك بمشروعه المسلح، والدولة اللبنانية مترددة في حسم مسألة سلاحه وتنفيذ دستورها وقراراتها، وإسرائيل تؤكد أنها لن تخرج ما لم يتم إنهاء الجسم العسكري الإيراني في لبنان؟ ماذا يمكن أن يقال في هذه اللحظة بالذات؟ ولم يعد السؤال ماذا فعل الحزب بلبنان فقط، بل ماذا ستفعل الدولة تجاه حزب قرر أن يخوض الحروب ويفرض هيمنته على البلد، ثم ترك لبنان والشعب اللبناني يدفع ثمن حروبه وسياساته ويغطي كلفة خطفه للبنان واللبنانيين؟
من الواضح أن الدولة تنتظر الحرب الجديدة بين إسرائيل و”حزب الله” من أجل أن تنفّذ دستورها وقراراتها. لكن في هذا الوقت الضائع، الذي يستحيل تحديد الزمن الذي سيستغرقه، لماذا لا تعلن الدولة أمام العالم والملأ أنها غير معنية بهذا الحزب، وأنها حالة منفصلة عنه، ولا علاقة لها بما يقوم به، وأنه يتحمل وحده مسؤولية قراراته وخياراته وتبعاتها؟
ولماذا لا تعلن أنها ماضية في السلام مع إسرائيل، وأنها غير معنية بالحرب المستمرة بين الحزب والجيش الإسرائيلي، وأنها ستمارس دورها في الداخل وكأنه غير موجود، وستطلب من العالم مساعدتها، وتحذره في الوقت نفسه من أن أي محاولة للخربطة الداخلية ستواجهها الدولة تنفيذًا لقراراتها وبقوة السلاح؟
فإذا كانت الدولة غير قادرة أو غير راغبة في حسم مسألة السلاح الآن، فعليها على الأقل أن تحسم مسألة المسؤولية: الدولة مسؤولة عن المناطق التي تحكمها، و”حزب الله” مسؤول عن المناطق التي يصر على إخضاعها لسلاحه. فلا يجوز أن يبقى لبنان كله مسؤولًا عن قرار لا تتخذه الدولة، ولا يجوز أن يبقى الشعب اللبناني كله يدفع ثمن حروب يقررها طرف خارج مؤسسات الدولة. هذه هي المعادلة التي يجب أن تُحسم، قبل أن تبدأ حرب جديدة، وليس بعدها.



