7 أكتوبر غيّر الشرق الأوسط… والحرب مستمرة حتى النهاية

شارل جبّور

بعد ثلاث سنوات على أحداث السابع من أكتوبر، تبدو الحقيقة الثابتة في المشهد الإقليمي أن الحرب التي أشعلها محور الممانعة، بشقّيه الحمساوي في غزة والحزب اللهي في لبنان، لن تنتهي قبل أن تنهي إسرائيل القدرات العسكرية للمحور الإيراني، بدءًا بأذرعه وصولًا إلى إيران نفسها.
وتختلف هذه الحرب عن كل الحروب التي خاضتها إسرائيل سابقًا، كما تختلف عن الأساليب العسكرية التي اعتمدتها في مواجهة الفلسطينيين أو الأدوات الإيرانية في لبنان. ولذلك، فإن الرهان على توقفها قبل تحقيق أهدافها رهان خاطئ، وأي مقاربة سياسية للمرحلة المقبلة يجب أن تنطلق من هذه الحقيقة: ما بدأ في السابع من أكتوبر لن ينتهي قبل تغيير الواقع الذي أفضى إلى اندلاع الحرب.
حدث واحد كان كفيلًا بتغيير الشرق الأوسط برمّته. ففي مثل هذا اليوم قبل ثلاث سنوات، كانت إيران تتحكّم بخمس ساحات: الفلسطينية واللبنانية والسورية والعراقية واليمنية، فيما كانت تتمدد إلى ساحات أخرى. وكانت لها الكلمة الفصل في هذه الساحات، وتتوسع أفقيًا من خلال أذرعها ونفوذها، وعموديًا من خلال مشروعها النووي.
لكن حدثًا واحدًا كان كفيلًا بقلب المشهد رأسًا على عقب، وتدمير الهيكل على رأس إيران ومحورها. صحيح أن “حماس” لم تنتهِ كتنظيم ولم تستسلم بعد، لكنها فقدت قدراتها العسكرية ولن تتمكن من استعادتها. وصحيح أن “حزب الله” لم يستسلم بعد، لكنه هُزم عسكريًا، وتعرّضت بنيته لضربات مدمرة، وقتلت إسرائيل قياداته ورموزه ومؤسسيه، ولن يتمكّن من استعادة عافيته. وفي سوريا، تبدّل المشهد بالكامل مع إزاحة بشار الأسد ووصول نظام جديد تكمن أهميته في أنه ضد محور الممانعة، وقطع شريان الإرهاب الذي كانت تستخدمه طهران لإيصال السلاح والإمدادات إلى بيروت وغزة. أما الحوثيون، الذين شكّلوا إحدى أبرز أدوات إيران الإقليمية، فيعيشون بدورهم وضعًا مأزومًا.
وهكذا، انتقلت أذرع إيران من مرحلة التحكم بمفاصل اللعبة في الساحات التي تنشط فيها إلى مرحلة العجز عن استعادة ما خسرته. فهي لم تعد قادرة على العودة إلى الوراء، ولا على التقدم إلى الأمام، بل تجد نفسها في حالة استنزاف متواصل، أشبه بموت بطيء، لا يوقفه سوى الاستسلام والتخلي عن المشروع المسلح والتوسعي الذي أوصلها إلى هذا المصير. وكلما تمسكت هذه الأذرع بسلاحها ومشروعها، خسرت المزيد من وزنها السياسي ورصيدها الشعبي، وابتعدت أكثر عن إمكانية استعادة دورها السابق. فالمشكلة لم تعد في حجم الخسائر التي تكبدتها فحسب، بل في استحالة العودة إلى المعادلات التي كانت قائمة قبل السابع من أكتوبر.
قد يستغرق هذا المسار أشهرًا أو سنوات، لكن النتيجة، وفقًا للوقائع التي أفرزتها الحرب، واحدة: لا مستقبل لهذه الأذرع بصيغتها العسكرية الحالية، ما لم تتخلَّ عن سلاحها وتغيّر مشروعها. أما الاستمرار في الرهان على استعادة ما فُقد، فلن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الاستنزاف وتأجيل مواجهة المصير.
وإيران ليست استثناءً من هذه المعادلة. فبمعزل عن قدرتها على الصمود في وجه الخنق الاقتصادي والمالي أو المواجهة العسكرية، فإنها تواجه مسارًا يهدد بقاء نظامها ومشروعها الإقليمي. ولن تستقر المنطقة ما دام المركز الذي يدير هذه الأذرع قادرًا على إعادة إنتاجها وتمويلها وتسليحها، وما دامت الأسباب التي فجّرت الحرب قائمة.
الثابت، بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، أن الحرب لم تنتهِ، وأن نهايتها لا ترتبط بمجرد وقف إطلاق النار، بل بإنهاء القدرات العسكرية للمحور الإيراني، من أذرعه إلى مركزه. وأي قراءة سياسية تتجاهل هذه الحقيقة تبني حساباتها على واقع لم يعد قائمًا، أو على رهانات لا تستند إلى موازين القوى الجديدة.
لكن هذا التحول، على قسوته، يفتح نافذة أمام شعوب المنطقة للانتقال من شرق أوسط تحكمه الحروب والميليشيات إلى شرق أوسط تقوم دوله على المؤسسات والسيادة والتنمية والتنافس الاقتصادي.
ولبنان معنيّ بهذا التحول أكثر من سواه. فالعائق الأساسي أمام قيام دولة فعلية، تحتكر قرار الحرب والسلم والسلاح، كان “حزب الله”، الذي أقام دولة داخل الدولة، ووضع قدراته العسكرية والأمنية فوق سلطة المؤسسات الشرعية. وقد شكّل سلاحه الحاجز الأساسي أمام قيام دولة لبنانية حقيقية، قادرة على حماية شعبها ومصالحها وتقرير مصيرها بنفسها.
واليوم، يجد الحزب نفسه في أضعف مراحله العسكرية والسياسية منذ تأسيسه. وهذا الواقع لا يجوز أن يتحول إلى مجرد محطة لالتقاط الأنفاس، أو فرصة لانتظار تبدّل الظروف واستعادة القدرات، بل يجب أن يشكّل فرصة للدولة اللبنانية كي تستعيد قرارها وتثبّت سيادتها.
من هنا، تقع على عاتق الدولة اللبنانية مسؤولية الاستفادة من هذا التحول لترسيخ السلام بين لبنان وإسرائيل، وإنهاء الحالة العسكرية والأمنية الإيرانية، والمضي قدمًا نحو قيام دولة فعلية وحقيقية، لا يكون فيها سلاح خارج سلطة الدولة، ولا قرار استراتيجي خارج مؤسساتها.
فإذا كان “حزب الله” قد شكّل الحاجز أمام قيام الدولة، فإن تراجع قدراته ونفوذه يضع لبنان أمام فرصة تاريخية لإزالة هذا الحاجز نهائيًا. والمطلوب ألّا يكتفي لبنان بالتكيف مع نتائج الحرب، بل أن يحوّلها إلى مدخل لإعادة بناء دولته على أسس السيادة والاستقرار والسلام.
بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، لم يعد السؤال ما إذا كان الشرق الأوسط سيتغير، بل إلى أي مدى ستذهب هذه التحولات، وما إذا كانت دول المنطقة ستنجح في استثمارها لمصلحة شعوبها. فالحرب مستمرة، والشرق الأوسط يقف أمام مرحلة تأسيسية جديدة، عنوانها إنهاء نفوذ المحور الإيراني وأذرعه، وفتح الطريق أمام دول طبيعية تتنافس اقتصاديًا، بدلًا من أن تتصارع عسكريًا، وتستثمر في مستقبل شعوبها بدلًا من استنزافها في حروب لا تنتهي.