كلمة نعيم قاسم الافتراضية والمستحيلة

الراهب

أيها اللبنانيون،

أتوجه إليكم اليوم بكلمة لم يكن من السهل أن تُقال، وربما كان ينبغي أن تُقال منذ سنوات طويلة.

 

أتوجه إليكم باسمي وباسم حزب الله، لا لأدافع عن الماضي، ولا لأبحث عن تبريرات، ولا لألقي مسؤولية أخطائنا على الآخرين، بل لأقول بوضوح: لقد أخطأنا، وأصبنا لبنان بأضرار جسيمة، ونطلب الصفح والمغفرة.

 

إن الاعتذار الحقيقي لا يكون بعبارات عامة، بل بالاعتراف بالأفعال وبالمسؤولية عنها.

 

نعتذر لأن الحزب، في مراحل مختلفة من تاريخه، لعب دوراً في الصراعات السياسية والأمنية التي عصفت بلبنان، ولأن ممارساته وخياراته ساهمت، بحسب ما نقر به اليوم، في تكريس مناخ العنف والانقسام منذ اغتيالات ثورة الأرز.

 

ونعتذر لأننا جررنا لبنان إلى حرب تموز 2006، ثم إلى ما سُمّي بحرب الإسناد، من دون أن يكون القرار الوطني اللبناني في موقعه الصحيح، ومن دون الجاهزية المطلوبة.

 

ونعتذر لأننا، بعد حرب تموز، استخدمنا الشارع وأقمنا الاعتصام في وسط بيروت، فعطلنا عمل المؤسسات وأدخلنا البلاد في أزمة سياسية طويلة.

 

ونعتذر عن أحداث السابع من أيار، وعن استخدام السلاح في الداخل اللبناني، وعن اجتياح بيروت وترويع أهل الجبل وكل اللبنانيين الذين شعروا يومها بأن السلاح الذي قيل إنه موجه إلى إسرائيل أصبح موجهاً إلى الداخل.

 

ونعتذر عن تعطيل الاستحقاق الرئاسي في مراحل مختلفة، وعن مساهمتنا في إبقاء الجمهورية بلا رئيس، وعن الضغط السياسي الذي انتهى بانتخاب حليفنا ميشال عون رئيساً للجمهورية. وإذا كانت تلك المرحلة قد شهدت تجاوزات أو ممارسات أضرت بالدولة أو بالحياة السياسية، فإننا نتحمل مسؤوليتنا السياسية ونعتذر عنها.

 

ونعتذر عن مرحلة الانهيار السياسي والاقتصادي التي وصل إليها لبنان، وعن كل ما فعلناه أو ساهمنا فيه أو سكتنا عنه من حماية للفساد والمحاصصة وإضعاف مؤسسات الدولة.

 

ونعتذر، كذلك، لأننا لم نتعامل مع كارثة انفجار مرفأ بيروت بالوضوح والمسؤولية اللذين كان ينتظرهما اللبنانيون، ولأن الثقة بين المواطن والدولة وبين اللبنانيين والقوى السياسية تعرضت لضربة قاسية في تلك المرحلة.

 

أيها اللبنانيون،

 

لقد أخطأنا حين جعلنا من لبنان ساحة لصراعات المنطقة، وحين تقدم الانتماء المذهبي والإقليمي على الانتماء الوطني.

 

ونقولها اليوم بصراحة: لبنان ليس ساحة حرب لأحد، وليس قاعدة نفوذ لأي دولة، وليس ورقة تفاوض في يد أي محور.

 

لقد كان علينا أن نفهم منذ وقت طويل أن مصلحة لبنان يجب أن تكون فوق أي علاقة خارجية، وأن العلاقة مع إيران، كما العلاقة مع أي دولة أخرى، لا يجوز أن تتقدم على مصلحة الدولة اللبنانية وسيادتها.

 

ونعتذر لأننا لم نتعامل مع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 باعتباره فرصة تاريخية لبناء دولة قوية تحتكر قرار الحرب والسلم. لقد تحولت لحظة التحرير، بدلاً من أن تكون نقطة انطلاق نحو الدولة، إلى بداية مرحلة جديدة من الصراع على النفوذ والقرار.

 

كما نتحمل مسؤوليتنا عن الحروب والتدخلات التي شارك فيها الحزب خارج لبنان، في سوريا والعراق واليمن، وما ترتب على ذلك من توتر مع دول عربية وعزلة سياسية للبنان.

 

ونعتذر عن كل ما ارتبط باسم الحزب من اتهامات وشبهات تتعلق بتجارة المخدرات وتبييض الأموال، ونعلن أن لا حصانة لأي شخص يثبت تورطه في مثل هذه الجرائم، أياً كان موقعه أو انتماؤه.

 

ونعتذر لأننا تمسكنا بالسلاح حتى بعد أن أصبحت الحاجة إليه موضع خلاف وطني عميق، ولأننا لم ندرك في الوقت المناسب أن قوة لبنان لا يمكن أن تقوم على تعدد القوى المسلحة، بل على دولة واحدة وجيش واحد ومؤسسات شرعية واحدة.

 

ونعتذر أيضاً لأننا، في مراحل معينة، تعاملنا مع الجنوب وسكانه وكأن أمنهم ومستقبلهم مرتبطان بالحزب وحده، بدلاً من أن يكونا مسؤولية الدولة اللبنانية وحدها.

 

إلى الشيعة في لبنان

 

أتوجه بصورة خاصة إلى أهلنا في الطائفة الشيعية.

 

لقد منحتمونا ثقتكم، وحملتمونا إلى مواقع من القوة والتأثير لم يكن ممكناً أن نصل إليها من دونكم.

 

لكننا أخطأنا حين تعاملنا مع هذا التفويض وكأنه تفويض أبدي، وحين تحول التمثيل السياسي إلى احتكار، وتحولت حماية الطائفة إلى تضييق على أصوات داخلها.

 

نعتذر لكل شيعي لبناني شعر أنه لا يستطيع أن يعارض الحزب من دون أن يدفع ثمناً اجتماعياً أو سياسياً أو أمنياً. ونعتذر لكل شيعي أصبح موضع تهمة ونبذ بسبب أفعالنا وسياساتنا.

 

الطائفة الشيعية ليست حزباً، والحزب ليس الطائفة.

 

ولذلك فإننا نعتذر إلى كل المعارضين الشيعة، وندعوهم إلى حوار صريح وشجاع حول مستقبل الطائفة ومستقبل لبنان، من دون تخوين أو إقصاء.

 

إلى المسلمين والعرب

 

ونتوجه باعتذارنا إلى المسلمين والعرب.

 

لقد حمل حزبنا اسماً وهوية إسلامية، ولذلك فإن أخطاءه لم تُقرأ دائماً باعتبارها أخطاء تنظيم سياسي فحسب، بل انعكست على صورة الإسلام وعلى علاقة لبنان بمحيطه العربي.

 

نعتذر عن كل ممارسة أساءت إلى صورة الإسلام، وعن كل خطاب أو سلوك ساهم في تعميق الانقسام بين المسلمين، أو بين المسلمين والمسيحيين، أو بين لبنان ومحيطه العربي.

 

الإسلام ليس حزباً، والمذهب ليس مشروعاً سياسياً، ولبنان ليس ملكاً لطائفة ولا لمحور.

 

ومن أجل إثبات أن الاعتذار ليس مجرد كلام

 

إنني، باسمي وباسم حزب الله، أعلن أننا مستعدون لتحويل هذا الاعتذار إلى خطوات عملية.

 

أولاً: إعادة النظر بصورة جذرية في العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وصولاً إلى استقلال القرار السياسي اللبناني للحزب وقطع أي علاقة تتعارض مع سيادة الدولة اللبنانية.

 

ثانياً: التعاون الكامل مع القضاء اللبناني في كل الملفات المتعلقة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر ضحايا الاغتيالات السياسية، وتسليم كل شخص تثبت مسؤوليته عن تلك الجرائم وفق القانون.

 

ثالثاً: رفع أي غطاء سياسي أو تنظيمي عن أي شخص يثبت تورطه في جريمة أو فساد أو اعتداء على المواطنين، وعدم حماية أي مطلوب للقضاء.

 

رابعاً: إعلان الالتزام الكامل بالدولة اللبنانية ومؤسساتها، وبأن يكون القرار الأمني والعسكري حصراً في يد الدولة.

 

خامساً: تقديم كل المعلومات التي يطلبها القضاء والمؤسسات الرسمية في الملفات العالقة، وفق القانون.

 

سادساً: البدء بعملية منظمة لتسليم السلاح ومخازنه ومنشآته إلى الدولة اللبنانية، ضمن آلية متفق عليها مع السلطات الشرعية، وبما يضمن عدم تعريض اللبنانيين لأي فراغ أمني.

 

سابعاً: فتح حوار حقيقي مع المعارضين الشيعة، ومع كل القوى اللبنانية، من أجل مراجعة التجربة السياسية للحزب وتصحيح العلاقة بين الطائفة والدولة.

 

ثامناً: الدعوة إلى حوار وطني شامل برعاية رئيس الجمهورية، لا يكون هدفه توزيع الحصص أو عقد تسويات مؤقتة، بل إنقاذ لبنان من المخاطر التي تعصف به وتهدد مستقبله وسلامته ووجوده ووحدة أراضيه.

 

أيها اللبنانيون،

 

نعرف أن الاعتذار لا يعيد شهيداً إلى أهله.

 

ولا يعيد مالاً ضاع من مودع.

 

ولا يصلح بيتاً دمرته الحرب.

 

ولا يمحو خوفاً عاشه طفل.

 

ولا يمحو سنوات من الانقسام.

 

ولا يمكن للكلمات أن تعيد لبنان إلى ما كان عليه.

 

لكننا نؤمن أن الاعتراف بالخطأ هو بداية الطريق.

 

ولذلك لا نطلب من اللبنانيين أن ينسوا، ولا أن يصدقوا كلامنا لمجرد أننا قلناه.

 

نطلب منهم أن يحكموا علينا بما سنفعله بعد هذا اليوم.

 

إن لبنان لا يحتاج إلى حزب أقوى من الدولة، ولا إلى طائفة أقوى من الوطن، ولا إلى محور أقوى من الجمهورية.

 

لبنان يحتاج إلى دولة.

 

دولة تحمي أبناءها جميعاً، شيعة وسنة ومسيحيين ودروزاً، من دون تمييز.

 

ودولة يكون قرار الحرب والسلم فيها قراراً وطنياً واحداً.

 

ودولة لا يكون فيها مواطن فوق القانون، ولا حزب فوق القضاء، ولا طائفة فوق الدستور.

 

لهذا أتوجه باسمي وباسم حزب الله بالاعتذار إلى الدولة اللبنانية، وإلى الشعب اللبناني، وإلى أهلنا في الجنوب والبقاع وبيروت والجبل والشمال، وإلى عائلات الضحايا، وإلى كل من دفع ثمناً من أمنه أو حريته أو ماله بسبب خياراتنا.

 

ونتوجه باعتذارنا كذلك إلى أشقائنا العرب وإلى المسلمين في كل مكان.

 

نحن نطلب المغفرة والسماح، لكننا نعرف أن المغفرة لا تُطلب بالكلمات وحدها، وإنما تُستحق بالأفعال.

 

ومن هذه اللحظة، يجب أن يكون لبنان أولاً.

 

لبنان الدولة، لبنان السيادة، لبنان لجميع أبنائه.