من «ما خلّونا» إلى «مرصد الحكومة»… ومن يرصد سجلّ باسيل؟

من «ما خلّونا» إلى «مرصد الحكومة»... ومن يرصد سجلّ باسيل؟

افتتح جبران باسيل «مرصد الحكومة» بسؤال اختاره عنواناً لمحاسبة السلطة التنفيذية: ماذا قلتم وماذا فعلتم؟

سؤال مشروع. بل هو السؤال الذي يفترض أن يُطرح على كل من يتولى السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المحاسبة بلا ذاكرة، وكأن التاريخ السياسي للبنان بدأ قبل 19 شهراً، وكأن من يفتح اليوم دفاتر الحكومة لم تكن له دفاتر في الحكم تنتظر بدورها من يفتحها.

باسيل يقول إن «التيار الوطني الحر» أحصى 64 مخالفة للبيان الوزاري، وإن تكتله وجّه أكثر من 50 سؤالاً واستجواباً إلى الحكومة. ويعلن انتقاله إلى «المعارضة الإيجابية والبنّاءة»، واضعاً نفسه في موقع المراقب الذي يقارن بين الوعود والنتائج.

لا مشكلة في ذلك. المعارضة من صلب العمل الديمقراطي، ومحاسبة الحكومة واجب نيابي.

لكن ماذا عن محاسبة مَن يحاسب؟

فالتيار الذي يقدّم نفسه اليوم في صورة المراقب لم يصل حديثاً إلى الحياة السياسية، ولم يكن طوال السنوات الماضية جالساً في مقاعد المتفرجين. كان شريكاً في حكومات متعاقبة، وتولى وزارات أساسية، ووصل مؤسسه ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية لست سنوات.

أما باسيل نفسه، فانتقل من وزارة الاتصالات إلى وزارة الطاقة والمياه التي تسلّمها عام 2009، قبل أن يبقى قطاع الطاقة لسنوات طويلة في عهدة وزراء من فريقه السياسي.

لذلك، عندما يسأل باسيل الحكومة اليوم: «ماذا قلتم وماذا فعلتم؟»، يصبح من الطبيعي أن يعود السؤال نفسه إليه.

ماذا قلتم أنتم، وماذا فعلتم؟

ولعل الكهرباء هي المثال الأوضح.

باسيل يتهم الحكومة اليوم بأنها «أفرغت جيوب اللبنانيين» ووضعتهم تحت رحمة أصحاب المولدات، ويقول إن كل ساعة كهرباء لا تؤمّنها الدولة تكلّف اللبنانيين 185 مليون دولار إضافية سنوياً. كما يدعو الحكومة إلى تشغيل المعامل التي أنشأها فريقه والعودة إلى الخطط التي وضعها.

لكن أزمة الكهرباء التي يتحدث عنها باسيل ليست ملفاً جديداً ظهر مع الحكومة الحالية، ولا المولدات دخلت حياة اللبنانيين قبل 19 شهراً.

في عام 2010، وضع باسيل، عندما كان وزيراً للطاقة، خطة قال فريقه إنها تستهدف الوصول إلى كهرباء 24 ساعة على 24، مع زيادة الإنتاج وخفض كلفته وإصلاح القطاع.

بعد أكثر من عقد ونصف، لا تزال الكهرباء واحدة من أكبر أزمات الدولة اللبنانية، ولا يزال اللبناني يدفع فاتورتين، فيما يصف البنك الدولي القطاع بأنه عانى طوال سنوات من عجز بنيوي، وخسائر مرتفعة، وضعف في الجباية والحوكمة، واعتماد متزايد على المولدات الخاصة.

قد يجيب باسيل بأن خططه عُرقلت، وأن التمويل أُوقف، وأن قرارات حكومية وسياسية حالت دون تنفيذها. وهذه تحديداً كانت، بأشكال مختلفة، رواية «ما خلّونا» التي استخدمها التيار للدفاع عن تجربته في السلطة.

لكن «مرصد الحكومة» يغيّر قواعد اللعبة.

فإذا كانت الحكومة الحالية تُحاسَب اليوم على النتائج لا على النيات، وعلى ما نفّذته لا على ما خططت له، فمن الصعب اعتماد معيار مختلف عند مراجعة تجربة من سبقها.

لا يكفي أن تكون هناك خطة. السؤال الذي طرحه باسيل بنفسه هو: ماذا فعلتم؟

وهنا يصبح «مرصد الحكومة» مرآة أيضاً.

فعندما يقول باسيل إن «الإصلاح بالخطط والمشاريع لا بالكلام والوعود»، فإن هذه القاعدة لا تخص حكومة واحدة. وعندما يقول إن البيان الوزاري عقد مع اللبنانيين يستوجب المساءلة عند عدم تنفيذه، فإن المبدأ نفسه يفتح الباب أمام مراجعة الوعود والخطط التي قُدّمت في الحكومات السابقة وقياسها بالنتائج التي انتهت إليها.

حتى العبارة التي استخدمها باسيل في مؤتمره تستحق التوقف عندها: «الوضع الكارثي الذي كان موجوداً في السابق أفضل من الوضع الحالي».

إذا كان الوضع السابق «كارثياً»، فالمحاسبة لا يمكن أن تبدأ من اليوم التالي لخروج التيار من السلطة.

وهذا لا يعفي الحكومة الحالية من أي مسؤولية، ولا يحوّل إخفاقاتها إلى إنجازات، ولا يلغي حق باسيل وتكتله في مساءلتها بنداً بنداً. وإذا كانت الحكومة أخفقت في تنفيذ تعهداتها، فمن واجب مجلس النواب محاسبتها.

لكن المعارضة لا تمحو الماضي، وتبديل المقاعد داخل مجلس النواب لا يمحو سجلّ السنوات السابقة.

من حق باسيل أن يسأل الحكومة: ماذا قلتم وماذا فعلتم؟

ومن حق اللبنانيين أن يوجّهوا السؤال نفسه إلى صاحب «مرصد الحكومة».

بين مرحلة «ما خلّونا» ومرحلة «ماذا فعلتم؟»، يبقى المعيار واحداً: النتائج.

فإذا كان باسيل قد فتح اليوم مرصداً لمراقبة الحكومة، يبقى السؤال الذي لا يستطيع أي مرصد أن يستثنيه:

ومن يرصد سجلّ باسيل؟

 

باسيل يكتب للحزب: ما زلت هنا