أنفاق في جزّين؟ الدولة مطالبة بجواب

هل تُحفَر أنفاق عسكرية جديدة في قضاء جزّين؟
السؤال لم يعد مجرّد معلومة متداولة في الكواليس، بعدما خرج إلى العلن أكثر من مرة، وبات يتقاطع مع معطيات وتقارير أخرى تتحدث عن مواقع عسكرية وإعادة تموضع في النطاق الجبلي الممتد باتجاه جزّين.
في الأول من أيلول، قال الكاتب والأستاذ الجامعي مكرم رباح علنًا إن «الحزب يحفر أنفاقًا جديدة في جزين». وعاد لاحقًا إلى طرح المسألة، وصولًا إلى حديث أكثر تحديدًا عن أعمال حفر في محيط السريرة، معتبرًا أن الدولة اللبنانية وأجهزتها الأمنية تعرف بما يجري.
هذه معلومات خطيرة. لكنها، حتى اللحظة، تبقى ادعاءات تحتاج إلى جواب رسمي وإلى إثبات ميداني مستقل.
وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الدولة.
فإما أن تكون هذه المعلومات غير صحيحة، وعندها من واجب الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية المختصة أن تقول ذلك بوضوح وتطمئن أهالي المنطقة، وإما أن يكون هناك بالفعل حفر لأنفاق أو إنشاء لبنى عسكرية جديدة، وعندها تصبح الأسئلة أكبر بكثير:
من يقوم بهذه الأعمال؟ أين تحديدًا؟ منذ متى؟ لأي غاية؟ وهل تعلم الأجهزة الأمنية بها؟ وإذا كانت تعلم، فما الذي قامت به؟
المسألة لا تقف عند كلام رباح.
ففي 28 أيلول، حذّر النائب سعيد الأسمر من تحوّل جزّين إلى «علي الطاهر 2»، وتحدث عن وجود مواقع عسكرية للحزب في جبال جزّين وإقليم التفاح وجبل الريحان، داعيًا الدولة إلى بسط سلطتها على المناطق العسكرية لتجنيب المنطقة مزيدًا من الدمار والعمليات العسكرية.
وفي السياق نفسه، تحدث العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا عن وجود بعض المراكز التابعة للحزب على محور سلسلة جبال لبنان الغربية، وطرح الانتقال والتمركز في مناطق جزّين كأحد الخيارات المحتملة أمام الحزب بعد التطورات العسكرية الأخيرة. وهذا الطرح يبقى قراءة عسكرية واحتمالًا، وليس دليلًا على أن عملية الانتقال حصلت بالفعل.
لكن في موازاة ذلك، ظهرت معلومات أكثر تحديدًا.
فقد نقلت «اللواء»، عن تقرير لـ«إرم نيوز» يستند إلى مصدر أمني لبناني غير مسمّى، أن قيادة «وحدة بدر»، المسؤولة عن القطاع العسكري شمال الليطاني، نُقلت إلى نطاق قضاء جزّين بعد إعادة تموضع بدأت مع اقتراب خسارة مرتفعات علي الطاهر، مرورًا بإقليم التفاح. ووفق الرواية نفسها، لا يتعلق الأمر بمقر داخل مدينة جزّين، بل بنطاق جبلي أوسع متصل بالريحان وسجد وجبل صافي وبمسارات ومواقع لوجستية قديمة. وهذه أيضًا معلومات منسوبة إلى مصدر أمني مجهّل ولم يصدر، حتى الآن، تأكيد رسمي لبناني علني لها.
أما اليوم، 29 أيلول، فنُشر في «النهار» أن «معلومات محلية في القضاء» تتحدث عن انتقال خطوط دفاعية إلى قضاء جزّين وعن منشآت وبنى عسكرية في المنطقة تستفيد من طبيعتها الجبلية ومرتفعاتها. وهي بدورها معلومات صحافية منسوبة وليست بيانًا رسميًا من الدولة.
كل ذلك يعيدنا إلى علي الطاهر.
ففي مطلع أيلول، أعلنت إسرائيل ما وصفته بـ«السيطرة العملياتية» على المرتفعات، وقالت إنها وصلت إلى مسارات تحت الأرض وعطلتها. وقد تحولت المنطقة خلال أسابيع إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة شمال الليطاني. وهذه الرواية حول طبيعة المنشآت تحت الأرض مصدرها أساسًا الجانب الإسرائيلي ولا يمكن التعامل مع كل تفاصيلها باعتبارها مثبتة بصورة مستقلة.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًا:
هل هناك علاقة بين خسارة المواقع في علي الطاهر وما تتحدث عنه التقارير اليوم من إعادة تموضع باتجاه النطاق الجبلي لقضاء جزّين؟
وهل حفر الأنفاق الجديدة الذي تحدث عنه رباح، إذا ثبت أصلًا، جزء من هذه العملية؟
نحن لا نملك حتى الآن دليلًا مستقلًا يسمح لنا بالإجابة بـ«نعم». ولذلك لا يجوز تحويل السؤال إلى حقيقة.
لكن في المقابل، تراكم هذه المعطيات لا يسمح بالتعامل معه وكأنه مجرد إشاعة عابرة.
هناك ادعاء علني ومتكرر عن أنفاق جديدة.
وهناك حديث علني عن مواقع عسكرية في جبال جزّين. وهناك تقرير ينقل عن مصدر أمني عملية إعادة تموضع من علي الطاهر إلى نطاق القضاء. وهناك معلومات محلية منشورة تتحدث عن بنى عسكرية في المنطقة.
فماذا تعرف الدولة؟
السؤال أساسي لأن تداعيات وجود بنية عسكرية في جزّين، إذا ثبتت المعلومات، لا تبقى تحت الأرض.
أي موقع عسكري يمكن أن يتحول إلى هدف. وأي بنية عسكرية جديدة يمكن أن تضع البلدات المحيطة بها أمام مخاطر لم يختر أهلها الدخول فيها.
وجزّين، ببلداتها وأهلها وطبيعتها المدنية، ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى جبهة جديدة أو إلى مساحة بديلة لإعادة تموضع عسكري بعد ما حصل في مناطق أخرى.
ولا حاجة إلى إعطاء القضية بعدًا طائفيًا. المسألة أبسط وأخطر من ذلك: هل يُسمح لأي جهة بإنشاء بنية عسكرية خارج سلطة الدولة في منطقة لبنانية، بما قد يرتب مخاطر أمنية وعسكرية على سكانها؟
والأهم أن السؤال يأتي فيما تقول المؤسسة العسكرية إنها مستمرة في أداء مهماتها لإرساء الاستقرار في ظل الاعتداءات الإسرائيلية، وتؤكد أن هذه الاعتداءات تعيق جهودها وتهدد سيادة لبنان وأمنه. لكن مراجعة البيانات العلنية المنشورة للجيش حتى الآن لم تظهر جوابًا مباشرًا عن الادعاءات المتعلقة بحفر أنفاق جديدة في جزّين أو محيط السريرة.
لذلك، المطلوب ليس سجالًا سياسيًا ولا المزيد من التسريبات.
المطلوب جواب رسمي.
هل تُحفَر أنفاق عسكرية جديدة في قضاء جزّين؟
هل رصد الجيش أو الأجهزة الأمنية أعمال حفر في محيط السريرة أو في المناطق الجبلية المجاورة؟
هل توجد عملية إعادة تموضع عسكري من علي الطاهر باتجاه جزّين؟
وهل توجد منشآت أو مواقع عسكرية جديدة في القضاء خارج سلطة الدولة؟
إذا كانت هذه المعلومات غير صحيحة، فلتقل الدولة ذلك بوضوح، ولتضع حدًا للشائعات وللقلق لدى الأهالي.
أما إذا كانت صحيحة، فلا يعود السؤال فقط عمّا يُحفَر تحت جبال جزّين.
السؤال يصبح: كيف يُسمح بذلك، وماذا ستفعل الدولة قبل أن تتحول جزّين إلى «علي الطاهر 2»؟



