نعم، المشكلة في العدوان.. لكن العدوان إيراني

شارل جبّور
كل خطاب الشيخ نعيم قاسم في الذكرى الثانية لاغتيال السيد حسن نصرالله هو خطاب مكرّر، لا جملة فيه تدفع الأمور خطوة واحدة إلى الأمام. خطاب خشبي وقديم يعيد المواقف نفسها، ويرفض التفاوض المباشر، ويتمسّك بالسلاح وبما يسمّيه “المقاومة”، من دون أي جديد يُذكر، على الرغم من أن الوقائع أثبتت هزيمته وعجزه وعدم قدرته إلا على شيء واحد: مواصلة التراجع أمام التقدّم الإسرائيلي.
أما الأهمية الوحيدة لهذه الذكرى، فتتمثّل في موقف الدولة اللبنانية التي لم تشارك في الاحتفال. وهذه خطوة في محلّها، ويجب التنويه بها والشدّ على يد الدولة في اتخاذها، لا سيما أنه لا يمكنها أساسًا أن تناقض نفسها بعد أن اتخذت في 2 آذار قرارًا واضحًا بحظر جميع النشاطات العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”. وبالتالي، لا يمكنها أن ترسل ممثلين عنها إلى احتفال ينظّمه الحزب نفسه لإحياء ذكرى قادته العسكريين.
وأي حضور لممثلين عن رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو الأجهزة المعنية كان سيشكّل تناقضًا صارخًا مع قرار الدولة، فيما عدم المشاركة هو الموقف المنسجم مع القرار الذي اتخذته الحكومة. وهذا هو المطلوب: أن تكون الدولة واضحة مع نفسها، وأن تطابق أفعالها قراراتها.
أما لجهة خطاب قاسم، فليس ما يستحق التوقّف عنده، كونه كناية عن معزوفة قديمة وشاذة، بعدما سقطت سرديّتها في الميدان. لكن سنتوقّف عند نقطة واحدة، لأنها تكشف جوهر المشكلة التي يجب الاستمرار في تسليط الضوء عليها أمام اللبنانيين.
قال قاسم إن المشكلة هي في “العدوان الإسرائيلي وليست في المقاومة”، وإن “المقاومة لم تنشأ إلا بسبب العدوان”. وبحسب نظرية هذا الفريق، يوجد عدوان إسرائيلي دائم، وبالتالي توجد حاجة دائمة إلى “المقاومة”. وبما أن المقاومة موجودة، يصبح من حقها الاحتفاظ بسلاحها إلى ما لا نهاية. وهكذا تتحوّل النتيجة إلى سبب، ويتحوّل السلاح إلى مبرّر للسلاح، وتصبح المقاومة ذريعة لاستمرار المقاومة.
لكن كل هذه النظرية خاطئة ولا أساس لها من الصحة، وتندرج في سياق التزوير التاريخي، لأنه منذ منتصف ستينات القرن الماضي، بدأت المشكلة عندما عجزت الدولة اللبنانية عن منع استخدام الأراضي اللبنانية لتنفيذ أعمال عسكرية ضد إسرائيل، حيث بدأت مع التنظيمات الفلسطينية واستمرّت مع “حزب الله”. واتفاقية الهدنة أسقطت من لبنان وليس من إسرائيل.
والمسألة ليست أن إسرائيل “تريد لبنان”، أو أن لبنان هو الذي يبحث عن الحرب معها. المسألة أن وجود تنظيم مسلّح خارج الدولة يخلق واقعًا يسمح بفتح الجبهات من الأراضي اللبنانية، ثم يجعل لبنان كله يدفع ثمن القرار الذي يتخذه هذا التنظيم، خلافًا لإرادة الدولة ومعظم اللبنانيين.
وقد انسحبت إسرائيل، مثلًا، من لبنان عام 2000، ومع ذلك استمر الحزب في الاحتفاظ بسلاحه، وانتقل من ذريعة إلى أخرى: مزارع شبعا، الأسرى، الردع، حماية لبنان، ثم “إسناد غزة”، و”إسناد طهران”. فإذا كان الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 قد تحقّق، فما هو المبرّر لبقاء منظومة عسكرية مستقلة عن الدولة؟
يستخدم الحزب الإيراني في لبنان الموضوع الإسرائيلي، عن سابق تصوّر وتصميم، كذريعة دائمة للحفاظ على مشروعه المسلّح، فيما المشروع الفعلي لهذا الفريق أوسع من لبنان بكثير. فهو جزء من مشروع إيراني إقليمي تخريبي استخدم أدوات مسلّحة في لبنان والعراق واليمن وسوريا وغزة وغيرها، تحت عناوين مختلفة، لكن ضمن منطق واحد: إبقاء السلاح خارج الدولة واستخدامه لخدمة مشروع إيران الإقليمي. و”حزب الله” في لبنان هو إحدى أدوات هذا المشروع.
لذلك، نعم وألف نعم: المشكلة في العدوان، ولكن المشكلة في لبنان هي العدوان الإيراني الذي يمثّله “حزب الله”. العدوان الذي يعتدي على الدولة اللبنانية، وعلى قرارها، وعلى دستورها، وعلى سيادتها، وعلى ميثاقها، وعلى حق اللبنانيين في أن تكون دولتهم وحدها صاحبة قرار الحرب والسلم.
المشكلة ليست في لبنان الذي يريد أن يستعيد قرار دولته. المشكلة في تنظيم إيراني مسلّح يرفض أن يخضع لقرار الدولة. المشكلة ليست في الدولة التي تريد حصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية. المشكلة في السلاح الإيراني الذي يريد إبقاء لبنان ملحقًا بإيران. والمشكلة ليست في لبنان الذي يريد أن يخرج من دائرة الحروب. المشكلة في المشروع الذي يريد إبقاء لبنان ساحة ضمن وحدة ساحات المشروع الإيراني التوسّعي والتخريبي.
ومن هنا، فإن العدوان الذي يجب أن يتوقّف في لبنان هو العدوان الإيراني، المتمثّل بمنظومة “حزب الله” العسكرية والأمنية التي أعلنت الدولة اللبنانية نفسها حظرها، وطالبت الحزب بتسليم سلاحه وحصر عمله في المجال السياسي.
ولا حل للبنان إلا بإزالة هذا المشروع العدواني من بنيته، وبأن تذهب السلطة اللبنانية قدمًا في تنفيذ قراراتها، وفي نزع سلاح “حزب الله” وحل بنيته العسكرية والأمنية. لن يستعيد لبنان سيادته، ولن يستقر، ولن يصبح دولة فعلية، ما دام هناك مشروع مسلّح خارج الدولة يملك قرار الحرب والسلم.
المشكلة في لبنان “ليست العدوان الإسرائيلي” الذي يتحدث عنه نعيم قاسم. المشكلة في لبنان تكمن في العدوان الإيراني على لبنان عن طريق “حزب الله”.



