استعادة لبنان تبدأ بكسر الصمت

استعادة الدولة في لبنان ودور الضغط الشعبي السلمي في المطالبة بتنفيذ القرارات وحصر السلاح
جوزيف بوهيا

أخطر ما يصيب لبنان أن يفقد مواطنوه الثقة بقدرتهم على تغيير واقعه. عندها ينصرف كلّ منهم إلى تأمين نجاته الفردية، ويترك القرار العام لمن يملك أدوات السيطرة عليه. تصبح الهجرة خياراً للمستقبل، والتكيّف مع الانهيار أسلوب حياة، فيما يتراجع الضغط الشعبي لاستعادة الدولة ومحاسبة السلطة.

وراء هذا الانكفاء خوف وإنهاك وخيبات متراكمة. لكنّ نتيجته السياسية واحدة: كلّما تراجع المواطنون عن المبادرة، ازدادت قدرة المستفيدين من الواقع على تثبيته. وهنا يبلغ التدجين غايته؛ حين يرفض الناس المنظومة، ثمّ يرتّبون حياتهم على افتراض استحالة تغييرها.

المقصود بالتدجين إخضاع المجتمع لهذا الاعتقاد، لا إدانة من أنهكتهم الأزمات. وكسره يبدأ بتحويل الاعتراض على المعاناة إلى ضغط يعالج أسبابها. فالسلاح الخارج عن الدولة يتجاوز المسألة العسكرية: إنّه اختلال في توزيع السلطة، يمسّ المحاسبة والاقتصاد وقدرة المواطنين على تقرير مصيرهم. لذلك يصبح حصره مطلباً متّصلاً بحقوقهم اليومية.

خلال الوصاية السورية، ترسّخت حدود أمنية للعمل السياسي وشبكات مصالح مرتبطة بالسلطة. وبعد خروج الجيش السوري، بقي سلاح حزب الله وارتباطه بإيران مصدراً لقوة تتجاوز المؤسسات، وتداخل مع منظومة المحاصصة. ومن هنا يأتي التركيز على الحزب: امتلاكه قوة عسكرية مستقلة يمنح مواقفه السياسية وزناً يتجاوز حجمه النيابي، ويستوجب محاسبته على استخدامها في مواجهة التغيير والمساءلة.

في ٢٥ تشرين الأول ٢٠١٩، أعلن حسن نصرالله رفض استقالة الحكومة وإسقاط العهد وإجراء انتخابات مبكرة في تلك الظروف. كان موقفاً دفاعياً عن بقاء السلطة في مواجهة الشارع. وقد استقال سعد الحريري بعد أيام، بما يؤكّد أنّ الضغط الشعبي استطاع تحقيق نتيجة رغم رفض الحزب. الواقعة تكشف موقف الحزب من التغيير، وتُظهر في الوقت نفسه أنّ إرادته ليست قدراً يستحيل تجاوزه.

وفي ملف المرفأ، اتّخذ الضغط شكلاً أوضح. طالب نصرالله في تشرين الأول ٢٠٢١ باستبدال القاضي طارق البيطار واتّهمه بالتسييس. وكان التحقيق يسعى إلى استجواب شخصيات سياسية، بينها وزراء سابقون من حركة أمل. وقاطع الحزب وأمل جلسات مجلس الوزراء على خلفية النزاع حول التحقيق، ولم تُستأنف إلا في ٢٤ كانون الثاني ٢٠٢٢، بعد انقطاع تجاوز ثلاثة أشهر. للاعتراض على القاضي طرق قانونية، أمّا استخدام مقاطعة الحكومة للضغط من أجل إزاحته فيحوّل نزاعاً قضائياً إلى تعطيل سياسي تدفع البلاد كلفته.

وتظهر الكلفة المالية لضعف الدولة في ملف الدعم والتهريب. ففي عهد حكومة حسان دياب، المدعومة من حزب الله وحلفائه، موّل مصرف لبنان استيراد سلع أساسية من احتياطاته بالعملات الأجنبية، بينما هُرّب جزء من السلع المدعومة إلى سوريا. ونقلت رويترز عن وزير الطاقة آنذاك أنّ تهريب الوقود كان السبب الرئيسي للنقص. استُنزفت موارد باسم حماية اللبنانيين، فيما استفاد المهرّبون والسوق السوري من الدعم. دفع اللبنانيون كلفة مزدوجة: نقص السلع المخصّصة لهم، واستنزاف مزيد من الاحتياطي في نظام مصرفي يحتجز ودائعهم. هنا تُطرح المحاسبة عن استمرار التمويل من دون رقابة فعّالة، وعن الجهات التي سهّلت التهريب أو حمت شبكاته.

وفي مسار اقتصادي منفصل، أعلنت الخزانة الأميركية في أيلول ٢٠٢٤ عقوبات على شبكة شركات ورجال أعمال لبنانيين. وقالت إنّها تعمل بإشراف مسؤول مالي في حزب الله، وسهّلت شحنات غاز إلى الحكومة السورية وحوّلت أرباحها إلى الحزب. هذه معطيات رسمية منسوبة إلى مصدرها عن شبكة مصالح ربطت الحزب بنظام الأسد؛ ولا تحدّد حجم الدعم اللبناني المهرّب أو تثبت أنّ الشبكتين واحدة.

لكنّ الحزب يقدّم حجّة أخرى لسلاحه: الردع والدفاع عن لبنان. وهذه تُختبر بالنتائج. وثّقت رويترز في ١٩ أيلول ٢٠٢٦ استمرار الاحتلال وعمليات الهدم الإسرائيلية رغم وقف إطلاق النار، بعد تجدّد الحرب في آذار. ونقلت عن قائد اليونيفيل وصفه الهدم في المنصوري بأنّه انتهاك لقرارات مجلس الأمن. فأين تقف وعود الحماية أمام هذه الحصيلة؟

تتحمّل إسرائيل مسؤولية اعتداءاتها واحتلالها، ويُحاسَب الحزب على قراراته العسكرية ووعوده للبنانيين. فالقدرة على إيلام الخصم لا تكفي لإثبات نجاح استراتيجية دفاعية. وحجم الدمار والتهجير يفرض مراجعتها، لا إعفاءها من التقييم. كذلك، فإنّ استمرار الاحتلال يستدعي وسيلة فعّالة لإنهائه، ولا يمنح حزباً تفويضاً دائماً باحتكار قرار المواجهة.

حصر السلاح ليس ضمانة تلقائية لردع إسرائيل. إنّه شرط لبناء دفاع وطني تتكامل فيه قدرات الجيش والدبلوماسية والدعم الدولي، ويخضع قراره للمساءلة. أمّا الاستناد إلى ضعف الدولة لتبرير قوة مستقلة عنها، مع الإبقاء على ازدواجية قرارها، فيحبس لبنان داخل المأزق نفسه.

وهذا هو الرابط بين السيادة والمعيشة. حصر السلاح لا يستردّ الودائع تلقائياً، لكنه يعالج اختلالاً يسمح لطرف بالمشاركة في السلطة والاحتفاظ بقوة خارج رقابتها. ويظلّ الإصلاح هشّاً ما دامت المؤسسات عاجزة عن فرض قواعد متساوية على الجميع.

من هنا، يبدأ تصويب الغضب الشعبي. حقوق العاملين في النقل وسائر القطاعات مشروعة، وعلى الحكومة تقديم أجوبة عن سياساتها وخدماتها. لكنّ مساءلتها لا تعفي القوى التي أضعفت الدولة، ولا تسمح باستخدام المطالب الاجتماعية لحماية سلاح خارجها.

ولا تكفي انتماءات منظّمي التحرّك للحكم على غايته. المعيار هو مطالبه ووجهة ضغطه. فإذا استُخدمت المعاناة لانتزاع تراجع عن قرارات حصر السلاح، يصبح المتضرّرون أداة لحماية أحد شروط استمرار أزمتهم. أمّا المطالبة المستقلّة بالحقوق، فتجمع تحسين العيش باستعادة سلطة الدولة، وترفض مقايضة أحدهما بالآخر.

المطلوب تحرّك شعبي سلمي يجعل تنفيذ قرارات نزع سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة في صلب الإنقاذ. فمجلس الوزراء أعلن إلزام الحزب بتسليم سلاحه وحصر عمله بالمجال السياسي، وطلب تنفيذ خطة حصر السلاح شمال الليطاني. وعلى رئيس الجمهورية والحكومة الوفاء بهذا الالتزام، بدل تركه عرضة للتأجيل المفتوح.

ولكي ينتج الضغط أثراً، يحتاج إلى مطلب قابل للمتابعة: مراحل تنفيذ معلنة، ومهل واضحة، وتقرير حكومي دوري يبيّن المنجز والعوائق وكيفية معالجتها، مع حفظ سرّية التفاصيل العسكرية. بذلك يتحوّل الاحتجاج إلى مساءلة مستمرة، ويمنح التنفيذ سنداً شعبياً، فيما تتولّى السلطة تأمين شروطه وحماية السلم الأهلي.

هذه مطالبة بالمساواة، لا مواجهة مع طائفة. اللبنانيون الشيعة شركاء كاملون في الدولة، ولهم الحقّ في أمن تحميه المؤسسات ومستقبل لا تقرّره قوة حزبية منفردة. والدولة المطلوبة ملزمة بحماية أرضها ومواطنيها من الاعتداءات، ومحاسبة الفساد أياً تكن هوية مرتكبيه.

يعود الإيمان بلبنان حين يكتشف المواطن أنّ لفعله أثراً. ولذلك يحتاج البلد إلى تحرّك يعالج أسباب المعاناة، وفي مقدّمها ازدواجية السلطة والسلاح، ويتمسّك بحقوق الناس المعيشية. فكسر التدجين يبدأ برفض العجز كقدر، واستعادة الدولة تبدأ حين يصبح تنفيذ قراراتها مطلباً شعبياً لا تستطيع تأجيله بلا حساب.