لقاء سلام وبزشكيان.. دعسة ناقصة

لقاء سلام وبزشكيان في نيويورك والعلاقات بين لبنان وإيران
شارل جبّور

لا غبار على كلام رئيس الحكومة نواف سلام خلال لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. فقد كان واضحًا في تركيزه على ضرورة أن تكون العلاقة بين لبنان وإيران علاقة دولة إلى دولة، وعلى أن لبنان دفع ثمنًا باهظًا من أمنه واستقراره واقتصاده، ولا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل.

المشكلة ليست هنا، بل في السؤال الأساسي: هل كان الرئيس سلام يأمل، ولو بنسبة واحد في المئة، بأن يبدّل هذا اللقاء طريقة تعامل إيران مع لبنان؟
إذا كان لديه هذا القدر الضئيل من الأمل، فلا بأس بعقد اللقاء. أما إذا كان هذا الأمل غير موجود، فمن الخطأ عقد اجتماع يمنح إيران مشروعية الجلوس مع لبنان الرسمي، فيما هي لا تريد سماع ما يقوله لها، ولا تريد تغيير سياستها تجاهه.
فإيران تواصل دعم أداتها العسكرية في لبنان، ولم يكن اللقاء مع الرئيس الإيراني مجديًا ما دام هذا الفريق واضحًا تمامًا في إصراره على مواصلة هذا الدعم. وكان يفترض أن يكون الرد اللبناني واضحًا بدوره: طالما أن إيران تدعم أداتها العسكرية في لبنان ولا تريد سحبها، فإن لبنان الرسمي، الذي يريد بناء دولة حقيقية وفعلية، يرفض الجلوس مع الرئيس الإيراني.

ونعود ونؤكد: لو كان لدى الرئيس سلام واحد في المئة من الأمل بأن الدولة الإيرانية يمكن أن تتعامل مع لبنان من دولة إلى دولة، وأن تتخلى عن أداتها العسكرية فيه، وأن تتجاوب مع دعوته إلى رفض إبقاء لبنان ساحة لصراعات إقليمية، لكان اللقاء مبررًا، بل كان يجب أن يحصل. أما إذا كان هذا الأمل غير موجود، فإن اللقاء يصبح عندئذٍ في خدمة إيران، لا في خدمة لبنان.

وما دامت الدولة اللبنانية لا تريد تنفيذ قراراتها ودستورها، ولا فرض احترام سيادتها على الآخرين، فعليها، في الحد الأدنى، ألّا تمنح خصومها وأعداءها مشروعية لقاءات لا جدوى منها. فما جدوى اللقاء، مثلًا، مع حزب إيران في لبنان، الذي لا يزال يؤكد أن ما يسمّيه “مقاومة” مستمرة؟ لا جدوى طبعًا من هذا اللقاء، وأي لقاء معه، في ظل إصراره على مواصلة مشروعه العسكري.

وما جدوى دعوة إيران إلى إرسال سفير جديد لها إلى لبنان؟ ماذا يُنتظر من هذه الخطوة؟
وهل لدى سلام الشك بأن طهران ستستغل هذه الدعوة لإرسال شخصية من أجهزتها الأمنية تحت صفة دبلوماسية؟
وهل يدرك الرئيس سلام أنه بدعوته وفّر لها المخرج وأمّن لها الغطاء، فيما كان على طهران أن تطلب من لبنان الموافقة على إرسال سفير جديد؟
إن المطلوب هو إقفال السفارة الإيرانية في لبنان، لا إعادة تفعيلها وتعيين سفير جديد فيها.

إن اللقاء مع الرئيس الإيراني هو دعسة ناقصة، ودعوتها إلى إرسال سفير دعسة ناقصة أخرى. كان يجب أن يُقال لإيران بوضوح: إذا كنتم مصرّين على مواصلة دعم حزبكم عسكريًا في لبنان، فلا جدوى من لقاءات فولكلورية تخدم الدولة التي تتعامل مع لبنان كساحة. وإذا كانت الدولة اللبنانية لا تريد الذهاب إلى حد إقفال السفارة الإيرانية، فلا يجوز لها، في الحد الأدنى، أن تعقد لقاءات رئاسية لا أمل في أن تؤدي إلى تغيير في سلوك طهران، وأن تدعو إلى إرسال دبلوماسي جديد لا أمل بأن يرتقي بالتعامل إلى مصاف العلاقة من دولة إلى دولة.

كان الأجدى ألّا يحصل اللقاء بين سلام وبزشكيان، وألّا يطلب سلام من بزشكيان إرسال سفير إيراني جديد إلى لبنان. وكنا نأمل أن تبقى السفارة الإيرانية خالية من سفير، طالما أن لبنان لا يريد إقفالها بالشمع الأحمر.

فما جدوى أن يمدّ لبنان يده إلى إيران، فيما هي تتمسّك بأداتها العسكرية فيه؟ وما جدوى أن يمنحها شرعية اللقاءات الدبلوماسية، فيما هي ترفض عمليًا التعامل معه من دولة إلى دولة؟ الدولة التي تريد استعادة سيادتها لا تمنح خصومها مشروعية مجانية، ولا تكتفي بتكرار المواقف التي تعرف سلفًا أن طهران لا تريد سماعها.