إلياس جرادة… من “التغيير” إلى تشبيه نصرالله بالمسيح

جرادة ونصرالله والجدل حول استحضار رموز مرتبطة بالمسيح في المقارنة السياسية

لم تكن المشكلة في كلام النائب إلياس جرادة أنه امتدح حسن نصرالله، ولا أنه اعتبره شخصية مؤثرة، ولا حتى أنه وصفه بـ“الأيقونة”. من حق جرادة أن يتخذ الموقف السياسي الذي يريد، وأن يعيد تقييم تجربته وموقعه وتحالفاته كما يشاء.

المشكلة بدأت عندما قرر أن يُدخل يسوع المسيح في المقارنة.

قال جرادة إن نصرالله “قبل أن يكون على الصليب”، ثم تابع: “هو نفس المستوى”، واستحضر “الثلاثين من الفضة” و“صياح الديك” وصولًا إلى عبارة “هذا هو دمي”. هنا لم نعد أمام مديح سياسي أو استعارة عابرة، بل أمام إسقاط متكامل لرموز آلام المسيح والعشاء الأخير على زعيم سياسي وقائد تنظيم مسلّح.

وهنا لا بد من التوقف.

المسيح الذي يتحدث عنه جرادة هو الذي قال: أحبوا أعداءكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلّوا من أجل الذين يسيئون إليكم. المسيح لم يؤسس تنظيمًا مسلّحًا، ولم يبنِ ترسانة صواريخ، ولم يجعل الحرب وسيلة لتحقيق مشروع سياسي، ولم يهدد خصومه بالقوة العسكرية. رسالته قامت على المحبة والمصالحة والغفران، وصولًا إلى محبة العدو نفسه.

أما حسن نصرالله فكان الأمين العام لحزب مسلّح خاض حروبًا ونزاعات على مدى عقود، راكم الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتدخل عسكريًا خارج لبنان، وأدار مواجهة مسلحة طويلة مع إسرائيل. وفي إحدى عملياته الأخيرة قبل مقتله، تحدث بنفسه عن إطلاق أكثر من 300 صاروخ كاتيوشا واستخدام طائرات مسيّرة هجومية، وأعلن أن حق الرد مجددًا يبقى قائمًا.

فأين هو “المستوى نفسه” يا نائب جرادة؟

هل من دعا إلى محبة الأعداء هو نفسه من قاد تنظيمًا مسلحًا وراكم آلاف الصواريخ؟ وهل من جعل المصالحة والغفران في قلب رسالته يمكن وضعه في المرتبة الرمزية نفسها مع قائد سياسي وعسكري دخل في حروب وقتال وصراعات إقليمية؟

ليس المطلوب من جرادة أن يكره نصرالله، ولا أن ينكر تضحيات من آمنوا به أو قاتلوا تحت قيادته. لكنه حين يستخدم المسيح معيارًا للمقارنة، يصبح من حق المسيحيين قبل غيرهم أن يسألوا عن أساس هذه المقارنة.

الصليب في المسيحية ليس وسامًا يُمنح لكل قائد قُتل وهو يدافع عن قضيته. والثلاثون من الفضة ليست استعارة سياسية جاهزة. وصياح الديك ليس صورة أدبية قابلة للإسقاط على أي شخصية. وعبارة “هذا هو دمي” ليست جملة تصلح لتقديس أي زعيم سياسي أو عسكري.

هذه رموز في قلب الإيمان المسيحي، مرتبطة بالمسيح نفسه وبمعنى الفداء والخلاص.

ولهذا فإن المشكلة في كلام جرادة لا تُختصر بأنه “اقترب من الحزب” أو “ابتعد عن التغيير”. المسألة أبعد من الاصطفاف السياسي.

جرادة يستطيع أن يرى في حسن نصرالله ما يشاء من بطولة أو تضحية أو مقاومة. لكن عندما يصل إلى المسيح، يجب أن يتوقف.

لأن المسيح دعا إلى محبة العدو، فيما نصرالله قاد مشروعًا مسلّحًا قائمًا على الصواريخ والحروب. وبين الاثنين فارق لا تمحوه استعارة، ولا تختصره عبارة “هو نفس المستوى”.