إيران تحفر قبرها بيدها

لا يمكن لأي دولة في المنطقة أن تقبل بأن تبقى تحت رحمة إيران، أو رهينة ابتزازها، أو أسيرة ميليشياتها، أو أن يبقى استقرارها وازدهارها مرتبطين بمزاج طهران وقرارها.
ما تفعله إيران اليوم، من إعادة تحريك ميليشياتها في اليمن والعراق، إلى محاولة الإمساك بالأرض وتهديد الممرات البحرية، يؤكد أن المشكلة لم تعد محصورة في خلاف سياسي أو صراع نفوذ تقليدي. فحين تصبح مضائق حيوية، من هرمز إلى باب المندب، أدوات للضغط والابتزاز، يصبح الأمن الإقليمي والدولي برمّته مهدداً. والتطورات الأخيرة في اليمن، حيث عزز الحوثيون المدعومون من إيران حضورهم على ساحل البحر الأحمر، تؤكد حجم هذا التهديد.
والأهم أن دول المنطقة باتت أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا يمكن أن يبقى أمنها معلقاً على ما إذا كانت إيران راضية أم غاضبة، ولا يمكن أن يبقى اقتصادها وازدهارها واستقرارها رهينة قدرة طهران على تحريك أذرعها العسكرية في هذه الدولة أو تلك.
من الولايات المتحدة وإسرائيل، وصولاً إلى دول المنطقة، تتبلور قناعة بأن التعامل مع إيران لا يمكن أن يستمر على قاعدة احتواء نتائج سلوكها، فيما يبقى أصل المشكلة قائماً. فكلما أعادت إيران تحريك أدواتها، وكلما حاولت استخدام الجغرافيا والممرات الدولية والميليشيات كوسائل ضغط، دفعت خصومها ودول المنطقة إلى الاقتناع أكثر بأن هذه المنظومة نفسها أصبحت جزءاً من المشكلة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: النظام الإيراني يحفر قبره بيده. فبدلاً من أن يثبت أنه قادر على أن يكون دولة طبيعية تتعايش مع محيطها، يواصل التصرف كقوة تريد أن تمسك بمفاتيح المنطقة من خلال أذرعها، وأن تجعل أمن الدول واستقرارها واقتصاداتها مرتبطاً بإرادتها.
لكن المنطقة تغيّرت، ولم يعد مقبولاً أن تكون دولة مثل السعودية أو الإمارات أو العراق أو غيرها معرضة في كل لحظة لتهديد مصدره ميليشيا مرتبطة بإيران، أو أن تكون حركة التجارة والطاقة رهينة القدرة على تعطيل هرمز أو باب المندب. وما نشهده اليوم من اضطراب في هذين الممرين الحيويين يوضح أن المسألة لم تعد نظرية، بل تحولت إلى كلفة أمنية واقتصادية مباشرة على المنطقة والعالم.
ومن هنا، فإن استمرار إيران في النهج نفسه لا يحافظ على نفوذها، بل يراكم الأسباب التي تدفع إلى مواجهته.
المشكلة لم تعد في أن إيران تريد النفوذ؛ المشكلة في أنها تريد أن تجعل استقرار الآخرين مشروطاً بهذا النفوذ.
وهذا تحديداً ما يجعل استمرار النظام الإيراني بهذه الصيغة أكثر صعوبة. فكلما وسّع دائرة ابتزازه، وسّع في المقابل دائرة الدول التي ترى أن الخلاص من هذه المعادلة أصبح ضرورة.
إيران لا تخسر فقط جولة هنا أو نفوذاً هناك. إنها تدفع المنطقة والعالم، بسلوكها نفسه، نحو نتيجة أكبر: ضرورة إنهاء قدرة هذا النظام على استخدام الدول والميليشيات والممرات الاستراتيجية أدواتٍ لفرض إرادته على الآخرين.
وبهذا المعنى، فإن النظام الإيراني لا ينتظر من يحفر له قبره.



